الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

حرب بلا حدود!

 

خيري منصور

صحيفة الخليج الإماراتية 9/9/2003

 

 محاولة الاغتيال الفاشلة التي قامت بها حكومة شارون لزعيم حماس وواحد من أبرز قادتها، يجب ألا تحجب جملة اغتيالات تقوم بها، قد لا تتعلق بأشخاص على نحو مباشر لأنها تشمل إضافة إلى القادة الفلسطينيين من مختلف الفصائل "خريطة الطريق" والوحدة الوطنية الفلسطينية، وكل ما له صلة من قريب أو بعيد بالسلام.

 

استقالة محمود عباس أسهم فيها بشكل أساسي شارون نفسه، فهو لا يريد بأي شكل حكومة فلسطينية تُوصف بالاعتدال وتنال القبول من الولايات المتحدة وأوروبا.

 

وإن كان هناك ما يمكن قوله وسط هذا الضجيج وهذا الزحام، وهذه الالتباسات التي أوشكت أن تعصف بالحقائق كلها، فهو أن شارون إذ يستهدف إبعاد ياسر عرفات واغتيال أحمد ياسين إنما يقدِّم وثيقة صهيونية جديدة تتطلب قراءة فلسطينية واعية وغير مشوبة بالكيديات السياسية والسجال الأيديولوجي.

 

وعلى الرغم من كل ما قيل عن اعتدال محمود عباس، فإن استقالته ليست وليدة صراع مع ياسر عرفات بقدر ما هي صراع مع العقبات التي تصطنعها الحكومة الشارونية، لهذا فإن قراءة مضادة للسائد السياسي يمكن أن توصلنا إلى أن محمود عباس وياسر عرفات وأحمد ياسين يتباعدون ويفترقون في أمور كثيرة، لكن مدار فوهة البندقية الصهيونية يخلق بينهم أكثر من قاسم مشترك، على صعيد وطني، فهم بالنسبة لشارون فلسطينيون، وإن كان منهم الفلسطيني جداً، والفلسطيني إلى حدٍّ ما.

 

والاغتيال ككل جريمة لا يُحاكم أو يُقاس بالنتائج، سواء كانت فشلاً أو نجاحاً، فمحاولة اغتيال أحمد ياسين الذي امتصت سجون الدولة العبرية سنوات عدة من عمره، هي قتل مع سبق الإصرار والترصُّد، والنجاة في هذه الحالة ليست بفضل القاتل، بقدر ما هي بفضل خطأ هذا القاتل؛ لهذا يجب التعامل مع اغتيال كل من إسماعيل أبو شنب وعبد العزيز الرنتيسي وأخيراً ياسين وهنيّة على أنه اغتيال واحد بمعزل عن النتيجة، ويجب ألا تخفّف نجاة هدف الاغتيال من الغضب الذي يشحن ردّ الفعل الفلسطيني عليه.

 

حماس، كانت قبيل محاولة اغتيال زعيمها وأحد قادتها تفكر جدياً بتجديد هدنة، لأسباب عدة، ليس أهمها كما يقال الدفاع عن النفس، وهي التي باتت مطلوبة خصوصاً بعد أن مهرت أوروبا القرار الأمريكي الصهيوني بتوقيعها، لاعتبار المكتب السياسي لحماس حركة إرهابية، وللمرة الثانية خلال بضعة أشهر، تعلن حماس أن الحرب مع شارون أصبحت مفتوحة، فهو في المرة الأولى هدَّد باغتيال ياسين، لكنه الآن اغتاله، حتى لو أخطأ الهدف، لهذا فإن حماس إذ تعلن الحرب المفتوحة، لا تستثني شارون من هذه الحرب، وربما كان أهم هدف من أهدافها.

 

ويحتاج المرء إلى قدر كبير من خبرة النعامة كي يتعامى عن هذه الجرائم الصهيونية التي تتم تحت ذرائع أنكى من القتل ذاته.

 

إن الولايات المتحدة التي أصبحت عديمة الحول والقوة إزاء رغائب شارون وحكومته، واللوبي الصهيوني الذي يصفق له في نيويورك؛ الولايات المتحدة التي تزعم بأنها الأقوى والأشد نفوذاً والأعدل، تتراجع لتصبح مجرّد صدى لدويلة استيطانية، لهذا فهي تبدّد بسفاهة سياسية وعسكرية آخر ورقة من صدقيتها.

 

ما الإرهاب إن لم يكن سلسلة الاغتيالات التي تقوم بها حكومة الجنرال الغاشم للفلسطينيين على اختلاف المواقع، والنسب السياسي أو الأيديولوجي؛ إنها من حيث لا تدري تعيد إنتاج الوحدة الوطنية الفلسطينية، أو على الأقل توفر لها من الأسباب الموضوعية ما يكفي لذلك!

 

فهل سيصعد الفلسطينيون من هذا القاع ومن هذه السفوح التي تستدرجهم نحو الهاوية، إلى المرتقى الوطني الصعب، حيث اللحظة الآن حاسمة، بل هي فاصل بين وجود وعدم وجود، وبقاء على قيد الوطن والهوية أو إبادة!

 

ومن سيقولون اليوم أو غداً إن استقالة محمود عباس جاءت احتجاجاً على المنهج الذي تعامل به رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية مع حكومته، سيضيفون إلى الاغتيال الجسدي انتحاراً سياسياً. فشارون لا يريد حكومة فلسطينية تحظى بقبول أطراف يعنونه، وهو يشبه ذلك الضابط الصهيوني "بلوم" الذي تحدث عنه صالح برانسي، فقد قتل بلوم بعضاً من أهل القرية التي يحتلها لسبب، وقتل البعض الآخر لسبب مضاد؛ وكان يأمر بتعذيب من يمرّ به صامتاً، ثم يأمر بتعذيب من يحييه.

 

لأن الفلسطيني لا يحتاج إلى أن يرتكب خطأ كي يُعاقب صهيونياً، لأن خطأه الجذري والوجودي والقومي حسب ما يقول الحاسوب الصهيوني هو كونه فلسطينياً!

 

نعم، هي حرب مفتوحة، سواء أعلن هذا الطرف أو ذاك أو لم يعلن، لأن "شارون" قرّر منذ مجزرة قبية أن تكون كذلك!