|
شارون وحلم "إسرائيل" الكبرى
حسام عبد الحميد- إعلامي مصري
صحيفة
الراية القطرية 15/11/2003
المتأمل في
كل القضايا المتوترة في العالم العربي والإسلامي يدرك من غير جهد أن
"إسرائيل" تقف وراء هذه القضايا إما بشكل مباشر كما هو الحال فيما
يحدث في فلسطين أو بشكل غير مباشر كما هو الحال فيما يحدث في العراق
وسوريا وإيران وحتى ما يمكن أن يستجد من قضايا قد تطال عدداً من
البلدان العربية الأخرى الموجودة على قائمة الانتظار!
لقد نجحت
الحركة الصهيونية مع اليمين المتطرف في أميركا في عقد تحالف غير مقدس
جعل من الإدارة الأميركية أداة من أدوات تنفيذ المشروع الصهيوني من
خلال الضغط السياسي والاقتصادي والعقوبات الذكية والغبية واحتلال
الدول لتغيير الأنظمة بالقوة المسلحة.
ويبدو أن
شارون في صراع مع الزمن من أجل تحقيق أكبر الإنجازات على طريق حلم
"إسرائيل الكبرى" من خلال استغلال هذا التحالف واستغلال صقور الإدارة
الأميركية من المحافظين قبل أن يسقطوا من الحكم عام 2005 إذا جاءت
الرياح بما لا يشتهي بوش!
ففي غفلة من
المجتمع الدولي وبرعاية أميركية يمضي شارون في تنفيذ مخططه
بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وبناء جدار الفصل العنصري فيما
الفلسطينيون منشغلون في إدارة أزمتهم الداخلية، ويعتقد شارون أن
تحقيق الأمن والاستقرار لإسرائيل لن يتحقق إلا عن طريق القوة الضاربة
وأن اتفاقيات السلام لا تمنع "إسرائيل" من الوقوف أمام تنامي أي قوة
عسكرية عربية.
وفي هذا
الإطار يمكن تفسير الغارة الإسرائيلية على سوريا والتهديد بضرب مصر
والنفخ بالكير في موضوع البرنامج النووي الإيراني والحض على ضرب
العراق وهي سياسة تعتمد على فائض القوة الإسرائيلية بعد أن تم تأمين
الاحتياجات الداخلية لمواجهة الانتفاضة الفلسطينية. وفي مقابل هذه
السياسة الغاشمة يقف العالم العربي موقف الشاهد الصامت بما يغري
"إسرائيل" بإعادة المحاولة مع سوريا مرة أخرى والإمعان في القتل في
فلسطين وتهديد أمن مصر والاستعداء على إيران والتحرش بالسعودية
والمضي قدماً في حلم "إسرائيل الكبرى" -على الأقل من الناحية
السياسية- في ظل هذا المناخ الإقليمي والدولي المواتي.
ولا يزال
شارون يعتقد أن القوة هي السلاح الوحيد لتحقيق أحلامه التلمودية لذلك
ليس غريباً أن تتوقف كل مشاريع السلام في عهده وأن تقوم الطائرات
الإسرائيلية لأول مرة بعد 30 عاماً على ضرب أهداف سورية معتمداً في
ذلك على الخبرة الإسرائيلية في ضرب المفاعل العراقي 1981 وغزو لبنان
1982 على الرغم من تباين هاتين الحالتين مع المعطيات الحالية وإن كان
ذلك لا يمنع شارون من ارتكاب أي حماقة غير متوقعه.
فمن غير
المستبعد أن يقدم شارون على مثل هذه الممارسات في ظل توفر الحماية
السياسية والقانونية الدولية لجرائمه وطالما تتدخل الولايات المتحدة
لإنقاذه بالفيتو في الوقت المناسب.
وعلى الرغم
من إيمان شارون بنهج القوة لفرض الحلول الاستسلامية فقد كشفت الأحداث
التي شهدتها الأراضي الفلسطينية فشل هذا النهج فقد اشتعلت الانتفاضة
في كل الأرض المحتلة وخسر الإسرائيليون مئات القتلى وآلاف الجرحى كما
أن "إسرائيل" تعرضت لحملة دولية وصفتها بأنها دولة تمارس التطهير
العرقي ولعل الاستطلاع الأوروبي الأخير يجسد صورة "إسرائيل" كأبرز
الدول التي تهدد السلم والأمن الدوليين وهو ما استتبع تنديداً
أميركياً حول ذلك.
لكن شارون
يتغاضى عن كل هذا من أجل تحقيق أحلامه المريضة بإقامة دولة "إسرائيل
الكبرى" وباتفاق مع الإدارة الأميركية الحالية إذ أن شارون قد اقنع
الرئيس بوش بتبني المخطط الأميركي- الإسرائيلي الذي يفضي إلى إقامة
دولة "إسرائيل الكبر"ى في الفترة القريبة المقبلة وهو ما لن يتم
تنفيذه إلا بالقوة العسكرية. وذلك من خلال ضرب العراق عسكرياً وإسقاط
نظام صدام وهو ما تقوم به أميركا الآن. أما الشق الثاني فهو ضرب
المقاومة الفلسطينية الإرهابية وإسكات صوتها كمرحلة أولى من هذا
السيناريو، أما المرحلة الثانية فيتم خلالها ضرب الطوق الأمني على
المنطقة كلها.
واستناداً
لهذا الاتفاق تتسارع الأحداث في الأرض المحتلة بشكل متواز مع الأحداث
في المنطقة كلها فحمى القتل والتدمير وهدم المنازل والاغتيالات تسير
جنباً إلى جنب مع الاحتلال الأميركي للعراق ومحاولات تنظيف المنطقة
من أية أسلحة دمار شامل وغسل العقول العربية وإقامة شرق أوسط جديد.
ويمكننا أن
نؤكد بكل أريحيه أن ما يحدث من احتلال للعراق وتهديد لإيران وسوريا
إنما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بخدمة الأهداف الاستراتيجية الصهيونية
ويصب في خانة تحقيق ذلك المخطط الصهيوني الذي يسعى لاستحداث أطلس
جديد في المنطقة العربية.
ولذلك فإن
شارون سوف يستمر في تصرفاته الهمجية لإجهاض خريطة الطريق ووضع
العملية السلمية برمتها في سلة المهملات بعد أن أصبح خياره تكريس
الاحتلال وفرض القمع والتنكيل ودفع الفلسطينيين إلى اليأس والإحباط.
وهو يصدر في
ذلك عن رغبة أكيدة في تحقيق حلم "إسرائيل الكبرى" التي لم تعد تقتصر
في دعاوى اليهود على أرض فلسطين باعتبارها أرض الميعاد بل امتدت
لتشمل الأردن وجزءاً كبيراً من شمال السعودية وتحديداً المدينة
المنورة التي يزعم علماء الصهاينة أن بها أحلاماً يهودية لابد من
استعادتها حسب ما تدعوهم التوراة.
وبالطبع يدرك
شارون أن حلم "إسرائيل الكبرى" لن يتحقق على يديه- وإن شاء الله لن
يتحقق أبداً - لكنه يريد أن يسجل لنفسه في التاريخ أنه صاحب السبق في
بناء لبنات هذا الحلم الصهيوني. الممتد عبر التاريخ منذ إعلان الكيان
الصهيوني المغتصب.
وأخيراً على
الرغم من وضوح ذلك المخطط وانكشاف عورته إلا أننا مازلنا كأمة عربية
وإسلامية تغط في الوهم والخضوع والعجز واليأس ونغمض أعيننا عن رؤية
مستقبل مظلم يحاك لنا في دوائر صنع القرار في أميركا و"إسرائيل"
ومازلنا نصر على أن السلام هو خيار استراتيجي في الوقت الذي يصر
الكيان الصهيوني على أن الحرب هي الخيار الاستراتيجي. إن حلم الدولة
الإسرائيلية الكبرى لن تسقطه اتفاقيات سلام أو تفاهمات هنا أو هناك.
|