هل نحن أمام مقدمات التطهير العرقي للشعب
الفلسطيني؟
المهندس جمال قارصلي -نائب بالبرلمان الألماني
صحيفة
الراية القطرية 23/9/2003
المتابع
للأحداث الجارية على الساحة الفلسطينية يجد أن الممارسات الإسرائيلية
تأتي في سياق منهجي ومنظم يثير العديد من التساؤلات حول الأجندة التي
يتابعها رئيس حكومة "إسرائيل" أرييل شارون، هذه الحكومة اليمينية
المتشددة لا تحاول قراءة الواقع على الأرض إلا من خلال فوهة
البندقية. فالقناعات الأيديولوجية المريضة التي يحملها هؤلاء
المتعصبون في حكومته لا ترى الآخر إلا من منطلق عنصري استعلائي ينكر
حقوق الآخرين الأساسية ولا يحتل تفكيرها إلا الهوس الأمني المجنون
الذي يرى نفسه مهدداً أبداً بينما ينكر أمن الآخر. والحقيقة أنه لا
غرابة في ذلك فمن يسلب شعباً حقه في الحياة لا يمكن أن ينام قرير
العين طالما أن هذا الشعب يطالب بحقه ولو من تحت الركام ومن بين
الأشلاء.
وإبداء هذه
المخاوف نابع من حقائق ومن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الذين لا
يجهدون أنفسهم في إخفاء نواياهم الحقيقية تجاه الشعب الفلسطيني
الرازح تحت نير قمعهم واستبدادهم. فعندما يوصف الشعب الفلسطيني
المنتفض بالسرطان الذي لا بد من علاجه (عادة بالاستئصال أو
كيميائياً) لا يبقى أمام المراقب الكثير من هامش المناورة في
التحليل، حيث أن الأحداث الجارية على الساحة الفلسطينية تثبت
المنهجية التي يتم بها قمع هذا الشعب وإذلاله في كل مجالات الحياة
والتي تناقض أبسط قواعد القانون الدولي التي تنص على حماية المدنيين
وقت الحرب.
الإرهاب الذي
تمارسه حكومة شارون من خلال الاغتيالات وهدم البيوت وقطع الأرزاق
والطرق وبناء الأسوار العنصرية بالإضافة إلى التهجير الذي يتم بهدوء
وبالذات إلى قطاع غزة لا يمكن تصنيفه إلا في إطار سياسة "الترانسفير"
وفرض الحقائق على الأرض التي ستحول أبناء الشعب الفلسطيني إلى مواطني
"غيتوهات" علي أرض أجدادهم. يضاف إلى ذلك التصريحات العديدة
للمسؤولين الإسرائيليين عن ما يسمى بصراع الوجود. وهذه المؤشرات لا
يمكن التغاضي عنها ولا يمكن وضعها إلا في سياق تلك المنهجية التي
يبدو أنها تمثل السياسة الحقيقية التي تتبعها هذه الحكومة العنصرية.
وكيف لهذه
الحكومة أن تفعل غير ذلك وشارون وعد شعبه بإيقاف الانتفاضة خلال مئة
يوم حيث يصعب عليه الآن التسليم بالفشل ورؤية الواقع الدموي الذي
يخلفه ويخلقه استعباده لشعب آخر يقف وظهره إلى الحائط مدافعاً عن حقه
الطبيعي في الحياة والبقاء والمقصود هو الشعب الفلسطيني الأعزل الذي
يتصدى لآلة الدمار الإسرائيلية الضخمة المدعومة أمريكياً في ظل واقع
عربي ودولي منافق ومخجل ويثير الاشمئزاز.
إن هذا
التساؤل فيما إذا كنا نقف أمام حملة للتطهير العرقي ضد الشعب
الفلسطيني يرتبط عضويا بالوضع العربي والدولي الحالي.
عربيا لا
حاجة إلى إثبات هزالة الوضع العربي الحالي فهو بادٍ للعيان وبشكل
مفضوح في كل المجالات سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي.
والشيء الذي
يستحق البحث والتمحيص هو الواقع الدولي المستجد بعد الفشل
الأمريكي-البريطاني في تسويق احتلال العراق كعملية للقضاء على
الإرهاب وتحرير الشعب العراقي من قبضة النظام السابق.
فأميركا
تستنجد بالأمم المتحدة التي أدارت لها ظهرها سابقاً لتقاسم الفشل
المريع والخسائر الكبيرة التي تتكبدها قوات الاحتلال يومياً وبشكل
متزايد في العراق وأفغانستان في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ماء
الوجه أمام شعوبها وأمام تلك الدول التي أهانتها حكومة "بوش" في خضم
التحضيرات لحملتها العسكرية على العراق وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا.
إلا أن هذه الدول لها حساباتها الخاصة والنابعة من مصالحها القومية
الخاصة ولن تقف إلى جانب أمريكا إلا من خلال سياسة الشيكات إن فعلت.
فالألمان
والفرنسيون لن يبعثوا بقواتهم إلى المستنقع العراقي الذي بدأ يوحل
يوماً بعد يوم.
وهذان
البلدان المحوريين في الاتحاد الأوروبي لن يقبلا بتجنيد أبنائهما
كمرتزقة تحت الراية الأمريكية وخصوصاً بعد الإهانات الكبيرة التي
حاولت من خلالها الإدارة الأمريكية ابتزازهما من خلالها. ليس هذا
وحسب بل إن الرفض الشعبي العارم للتدخل العسكري الأمريكي- البريطاني
لا يمكن وضعه على الرف والتغاضي عنه في حسابات هذه الحكومات
الداخلية.
المخاوف
المشروعة من إقدام الحكومة الإسرائيلية على ممارسة عمليات تطهير عرقي
ضد أبناء الشعب الفلسطيني لا يمكن فصلها عن المناخ العربي والدولي
الحالي المذكور أعلاه الذي يبعد الأنظار عن الواقع الخطير في الأراضي
الفلسطينية المحتلة والتي تشهد تصعيداً إسرائيلياً في وتيرة القمع
وانتهاك القانون الدولي وحقوق الإنسان الفلسطيني مستغلة بذلك التركيز
الدولي على الورطة الأنجلو - أمريكية في العراق وبضوء أخضر ومباركة
أمريكية مفضوحة. وعندما تجرؤ حكومة شارون العنصرية على إصدار قرار
لإبعاد الرئيس الفلسطيني المنتخب والذي يتمتع بشرعية انتخابية وثورية
كقائد للشعب الفلسطيني تسهل الإجابة عن السؤال المطروح فيما إذا كنا
نشاهد مقدمات التطهير العرقي. فإذا كان الرئيس المنتخب لا يتمتع
بالحصانة التي تمنحه إياها شرعيته الانتخابية ضد الإبعاد والتطهير
العرقي فكيف سيكون حال الإنسان الفلسطيني البسيط الذي يقاوم
الاحتلال. والحقيقة أن من يجب ترحيله هو شارون وقطعان مستوطنيه
العنصريين وجيش الاحتلال الذي يحتل الأرض الفلسطينية ضارباً عرض
الحائط بكل الشرائع الدولية.
الأمل الوحيد
هو في موقف عربي بحده الأدنى وموقف أوروبي يكون مدعوماً بالموقف
الفرنسي الألماني يحول دون تورط هذه الدول وتلك التي تشاركها وجهة
النظر في الانجرار إلى المستنقع العراقي مما سيمنع الحكومة
الإسرائيلية من الاستفراد والإمعان في سياساتها المعلنة وغير المعلنة
ضد الشعب الفلسطيني بعيداً عن الأضواء وفي خضم انشغال العالم في
النقاش المفتعل لتخفيف الضغط عن قوي الاحتلال في العراق.
ولا يمكننا
في هذا الصدد إلا الاستماع إلى بعض التحليلات (بالمناسبة تحليلات
غربية) التي تقول بأن التدخل الأنجلو - أمريكي في العراق ليس فقط من
أجل الاستيلاء علي نفط العراق وخيراته أو القضاء على الإرهاب وتدمير
أسلحة الدمار الشامل حيث لم يثبت أي من ذلك رغم التزوير والتضليل
الذي مورس بشكل منقطع النظير لإثبات هذه الخرافة، بل من أجل إذلال
وكسر شوكة الإنسان العربي وصولاً إلى الهدف الأبعد وهو تركيع الإنسان
الفلسطيني ليقبل بفتات الحلول المفروضة إسرائيلياً وأمريكياً والتي
تحوله إلى لاجئ في أرضه يكون محروماً من كل الحقوق الإنسانية
الطبيعية.
ويبقى السؤال
الخطير هل ما تبقى من "خارطة الطريق" الميتة والمرفوضة حقيقة
إسرائيلياً منذ البداية هي الطريق أو الخارطة لبداية التطهير العرقي
أو "الترانسفير" ضد أبناء الشعب الفلسطيني؟!!
|