جدار لفرض الاستسلام
محمود عبد الغفار-
صحفي مصري
صحيفة
الراية القطرية 25/7/2003
يبدو أن هناك
جداراً من العنصرية والكراهية والاستعلاء داخل عقل وقلب غالبية كبيرة
من الإسرائيليين تمنع قبولهم أي تسوية تمثل الحد الأدنى (جداً) من
مطالب الفلسطينيين والعرب، وآخرها المطروحة فيما يسمى بخطة خريطة
الطريق.
وانعكس هذا
الجدار عملياً على أرض الواقع في بناء ما يسميه الإسرائيليون السياج
الأمني الذي يعد جداراً عازلاً ليس فقط بين الجزء الأكبر من الأراضي
الفلسطينية المحتلة عام 67 وسابقتها، المحتلة عام 48، وإنما بين
استراتيجية صهيونية باتت تفرض ما تريد بحق القوة وتشرذم عربي نسف ما
نملكه من مقومات وعلى رأسها قوة الحق. وبدأ إقامة هذا الجدار من شمال
الضفة الغربية وشرق الخط الأخضر - الفاصل بين أراضي 67 و 48 - بعمق
نحو سبعة كيلومترات وبارتفاع 3.5 متر ومزود بمجسات إلكترونية، وجري
تنفيذ 150 كيلومتراً وهو ما يمثل إنجازاً نحو ربع طول الجدار الذي
يخطط أن يبلغ 650 كيلومتراً بتكلفة تبلغ أكثر من مليون دولار
للكيلومتر الواحد. وأسفر بناء هذا الجزء عن تضرر أكثر من 200 ألف
مواطن فلسطيني بينهم نحو 30 ألف مزارع فقدوا حقولهم التي ابتلعها
الجدار إضافة إلى اقتلاع عشرات الألوف من أشجار الزيتون والحمضيات.
ومن المتوقع
أن يبتلع هذا الجدار لصالح "إسرائيل" 36 قرية تقع في المسافة الواقعة
بين الجدار والخط الأخضر.
وينسف الجدار
الذي يعد مشروعاً قومياً إسرائيلياً اقترح فكرته حزب العمل اليساري
وينفذه الائتلاف اليميني بقيادة أرييل شارون فكرة قيام دولة فلسطينية
ذات سيادة بقدر ما ينسف جميع اتفاقات التسوية بدءاً من أوسلو وحتى
خريطة الطريق ومروراً بالمبادرة العربية في قمة بيروت (مارس 2002)
التي طرحت تطبيعاً مع "إسرائيل" مقابل انسحابها من الأراضي العربية
المحتلة إلى حدود 4 يونيو 1967 . فالجدار الفاصل يفرض واقعاً مغايراً
تماماً إذ يستبق مرحلة بحث قضايا الوضع النهائي بضم الكتل
الاستيطانية في الضفة وتقسيم هذه الأخيرة إلى ثماني كانتونات (معازل)
مقطعة الأوصال بما يقضي على آمال قيام دولة فلسطينية لها معالم والتي
لن تحصل بعد كل ذلك إلا على 40% من مساحة الضفة كما عرض شارون نفسه
قبل ذلك.
ولا شك أن
طرح القضايا الكبرى مثل القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود لتبحث
في الوضع النهائي وهم كبير يهدف إلى خلق وضع ضبابي يستغله
الإسرائيليون في تغيير الواقع على الأرض وهو منهج إسرائيلي معروف
تفضحه دائماً أعمال المقاومة المسلحة والانتفاضات المتعاقبة التي
تربك الصهاينة وتقف حجر عثرة في استمرار مخططاتهم بالكم والكيفية
المطلوبة، وهذا أحد التفسيرات الرئيسية لسعي الحكومات الإسرائيلية
الدؤوب لوقف المقاومة بل والمطالبة بتصفيتها. ولذلك فإن حكومة شارون
تبذل حالياً جهوداً محمومة لاستغلال فترة التهدئة الحالية لتنفيذ
أكبر قدر ممكن من الخطط الصهيونية التي لم تتغير تقريباً، يقول رون
ناخمان رئيس مستوطنة (أرييل) التي أقيمت في السبعينات عندما كان
شارون الوزير المسؤول عن تسكين الضفة الغربية باليهود: إن مسؤولين
إسرائيليين أكدوا له أن الجدار الفاصل سيضم مستوطنة (أريل)، مضيفاً
أن الخريطة الأمنية التي عرضها شارون في السبعينات لم تتغير، وأن
نظرته الاستراتيجية كما هي. ويبدو أن هذه الاستراتيجية الصهيونية -
التي لم تتغير - باتت مدعومة داخلياً (من الإسرائيليين الذين اختاروا
شارون السفاح رجل المرحلة) وأميركياً عبر إدارة يمنية متطرفة يمسك
يهود صهاينة بمفاصل إصدار القرارات المهمة خاصة تلك المتعلقة
بالمنطقة العربية المعروفة لديهم بالشرق الأوسط. ولذلك لم يكن دقيقا
- وربما صحيحاً - ما تناقلته وسائل الإعلام العالمية بأن مستشارة
الأمن القومي الأميركي كونداليزا رايس انتقدت الحكومة الإسرائيلية
خلال زيارتها للمنطقة الشهر الماضي بسبب إقامة هذا الجدار لأنه يغير
الوقائع على الأرض ويستبق ما ستسفر عنه المفاوضات.. والحقيقة أن أي
كلمات نقد لا تتماشى مع فكر وعاطفة كونداليزا (تجاه "إسرائيل") التي
ترى أن أمن العالم يبدأ من تحقيق أمن "إسرائيل"، وإذا استخدمت مثل
هذه الكلمات فهي فقط إعادة التذكير من فترة إلى أخرى بما يسمى
بالوسيط الأميركي النزيه !! ولا مانع من إطلاق الكلمات الرنانة ما
دامت الضمائر مرتاحة بتحقيق أمن "إسرائيل" على الأرض، ولذلك كان
منطقياً أن تنقل وكالة (رويترز) في تقرير لها 21/7 أن شارون هو الذي
انتهر كونداليزا، ونقلت الوكالة عن أحد المقربين من شارون أنه أبلغها
أنه إذا كان عليه أن يختار بين الجنازات والسياج فقد اختار السياج.
وهذه الجملة
بالفعل تلخص خيار سفاح مثل شارون يمتلك سجلاً هائلاً من المجازر ضد
الفلسطينيين والعرب، ولا عجب أن يكون هو نفسه خياراً للإسرائيليين في
هذه الفترة التاريخية لفرض حل الأمر الواقع (الاستسلام) على العرب
الذين سقطوا إلى درجة متدنية من الضعف والتفكك خاصة بعد الاحتلال
الأميركي البريطاني للعراق. وربما هذا يفسر تصريح شارون عقب انتهاء
الحرب على العراق بقوله إن على الفلسطينيين أن يعوا درس سقوط النظام
العراقي، ويفسر أيضا تصريحات لمسؤولين إسرائيليين سابقين وأكاديميين
ومعلقين ذكروا فيها أن من مصلحة "إسرائيل" إبقاء الوضع السياسي
الراهن داخل الدول العربية كما هو، وتغييب الديمقراطية عنها، ومن بين
هؤلاء افرايم سنيه وزير السياحة السابق وأحد قادة حزب العمل
الإسرائيلي الذي قال لبرنامج (صباح الخير يا "إسرائيل") علينا أن
نصلي جميعاً لكي يبقى العالم العربي خاضعاً لأنظمته.. إن غياب
الديمقراطية عن العالم العربي عطل الإبداع عن العرب في الوقت الذي
نطور فيه إمكاناتنا في مختلف المجالات.
لا شك أن
أمام العرب - أنظمة وشعوباً - أكثر من جدار ينبغي عليهم عبوره قبل أن
يتمكنوا من تدمير جدار "إسرائيل" فوق حلم الصهيونية.