|
مهندس الجدار العازل إن حكى.."إسرائيل" ستتفكك
وانتظروا مزيداً من الدم
بقلم: ممدوح
الشيخ-كاتب مصري
صحيفة
البيان الإماراتية 5/11/2003
فكرة العزل
العنصري التي يراد تحقيقها بالجدار العازل لم تولد في الكيان
الصهيوني إذ تعد إحدى معالم الإرث الاستعماري الغربي، وقد طبقت بصيغ
مختلفة كان آخرها نظام البانتوستانات التي طبقها نظام الفصل العنصري
في جنوب أفريقيا، وهي ليست من بنات أفكار شارون بل دعا إليها قبل عام
أو يزيد قليلاً البروفيسور مارتين فان كريفلد، ولمن لا يعرفه فإنه
خبير استراتيجي إسرائيلي ذو شهرة واسعة ولد في هولندا وهاجر إلى
الكيان الصهيوني عام 1950.
وهو من خريجي
مدرسة لندن للاقتصاد والجامعة العبرية في القدس ويدرّس فيها منذ
العام 1971، وتنبع أهمية كريفلد من أنه ألف خمسة عشر كتاباً في
التاريخ والإستراتيجية العسكرية وترجمت كتبه إلى عشرات اللغات، كما
أنه حاضر في عدة معاهد إستراتيجية عسكرية ومدنية في الغرب، وهو أحد
أهم المتخصصين في «حروب المستقبل».
القتل طريقاً
للأمن
ومع تطورات
الأحداث في الأرض المحتلة فقد يكون من المفيد جداً استعادة حوار
أجرته معه صحيفة «إمتساع خضيرة» نشر في 8 - 3 - 2002، إذ من الواضح
أن شارون يتبنى حالياً ما طالب به كريفلد حرفياً، وهو يبدأ تصوره
قائلاً: «صراعنا مع الفلسطينيين، صراع خاسر منذ الانتفاضة الأولى
وهذا الصراع سيؤدي إلى نهايتنا» واضعاً بذلك علامات استفهام كبيرة
حول مستقبل الدولة، ومع ذلك فإن الحل الذي طرحه وعرضه على المؤسسة
العسكرية - حسب وصف الصحيفة الصهيونية - «تقشعر له الأبدان لأنه
يشتمل على عمليات ردع للفلسطينيين يتم خلالها قتل عشرات الآلاف
منهم».
يقول كرفيلد:
«منذ دخول الألمان إلى يوغسلافيا واصطدامهم بالمقاومة في الحرب
العالمية الثانية من الصعب أن نجد جيشاً نظامياً نجح في مواجهة
انتفاضة كالتي نواجهها، ما يحدث معنا اليوم، حدث مع الأميركيين في
فيتنام والجيش الإسرائيلي في لبنان والروس في أفغانستان، وهذا ما
سيحدث معنا مرة أخرى، إننا ندير حرباً، للطرف الثاني فيها كل
الإيجابيات، فنحن اليوم في الجهة التي سيحكم عليه فيها بالفشل».
لقد كان
مناحيم بيغن مقاتلاً من الدرجة الأولى، وحلّل هذه الوضعية بصورة
عميقة حين كتب أن مقاتلي الحرية دائماً ينجحون، لدينا قوة ولكن معظم
هذه القوة لا يمكننا استعمالها وحتى لو استعملناها فثمة شك في
نجاحها، فالأميركيون أنزلوا ستة ملايين طن من القنابل على فيتنام ولا
أذكر أن هذا الأمر ساعدهم، ونحن كنا نملك قوة هائلة في لبنان ولكننا
هربنا من هناك، إن هذه مواجهة، الذكي لا يقتحمها، ومن اقتحمها فعليه
أن يجد الطريق بسرعة للخروج من وحلها، فإسرائيل دخلت في مواجهة خاسرة
ضمناً، وهذه المواجهة ستقضي علينا».
الألمان في
يوغسلافيا لم يكونوا رقيقين ولم يكن لديهم يسار ولم يكونوا
ديمقراطيين ولم يمنحوا الإعلام فرصة أن يجمح ويثور، وكان عندهم أكبر
منظمة إجرامية شهدها التاريخ الإنساني، وكان عندهم زعيم لم يستنكف عن
استعمال أي وسيلة، وكان عندهم ثلاثون لواء أكثر بمرتين ونصف من الجيش
الإسرائيلي، وأثناء الحرب قُتل 800 ألف يوغسلافي وليس 1500 كما هو
الحال في الانتفاضة، ولا اعتقد أن هذا الأمر ساعدهم، فلقد حدث مع
جيشهم النظامي ما يحدث اليوم مع جيشنا وهناك شهادات للجنود الألمان
تؤكد ذلك.
عندما يبكي
الجنود
وهذا الوعي
بحقيقة المأزق الذي يواجهه الكيان الصهيوني يضع الكثير من علامات
الاستفهام على المساعي الرسمية العربية لوقف المقاومة ومحاولات إخفاء
دعوة تفكيك التنظيمات المقاومة ونزع سلاحها وراء شعارات تصب في
النهاية في دعم أمن الكيان الصهيوني، وهو يشبه الصراع بين الجيش
الصهيوني والفلسطينيين قائلاً:
«أنت رجل
كبير وقوي، ولنفترض أن طفلاً هاجمك، حتى ولو كان خطِراً جداً، أو
مسلح بسكين، وقمت أنت بقتله من باب الدفاع عن النفس، عندها ستحاكم
وستخرج متهماً ويحكم عليك، لأن القاضي سيقول لك وبحق أن ما قمت به لم
يكن في إطار الدفاع عن النفس، بل إن هذا قتل، الشيء نفسه يحدث في
العلاقات بين الأمم والشعوب، إن القوي الذي يقاتل الضعفاء مصيره إلى
الضعف.
ومن يتصرف
كخائف ويقاتل ضعفاء مصيره أن يتصرف كجبان وخائف ولكن فيما يتعلق
بالفلسطينيين فإن هذا الأمر يعمل بشكل عكسي تماماً، فهم يملكون
دائماً ثقة بالنفس عالية، ويمكنك أن تلاحظ تردّي الأوضاع خلال
السنوات المنصرمة كيف أن فضيحة تتبعها فضيحة وفشل يتبعه فشل، فالرجال
يرفضون الخدمة العسكرية، والجنود يبكون على القبور.
ومن الجهة
المقابلة (عند الفلسطينيين) ترى رغبة شديدة في الانتقام، ومعنويات
عالية، وما عليك إلا أن تقارن الجنازات حتى تفهم لمن توجد همة عالية
أكثر ومعنويات أعلى، عندنا ينوحون، وعندهم يطلبون الانتقام، إننا
نقترب من نقطة سيفعل الفلسطينيون بنا ما فعله المجاهدون الأفغان
بالسوفييت في أفغانستان، وما فعلته جبهة التحرير الوطني الجزائرية
بالفرنسيين في الجزائر.
في تصوّري
بدأت المشكلة في لبنان وذلك عندما بدأنا نحارب من هم أكثر منا ضعفاً،
منذ ذلك الحين فإننا نسير من فشل إلى فشل، إن حرب "إسرائيل" ضد
الضعفاء ما زالت مستمرة منذ أكثر من عشرين سنة، وذلك منذ اقتحام
لبنان، حيث حوّلت "إسرائيل" والجيش إلى مجموعة من الجبناء والتعساء،
هناك دلائل واضحة تؤكد أنه عندما يقاتل الأقوياء الضعفاء، كوضعنا،
تحولنا من شعب اشتهر بجرأته وقوة شكيمته!! إلى شعب من البكّائين
والطرف الآخر متنبه لهذا الوضع فحسن نصر الله قال: إن الإسرائيليين
يحبّون الحياة حباً جماً، وكذلك عرفات قال إن اليهود أقوياء في
الخارج ضعفاء في الداخل، وكلاهما صادق مئة بالمئة».
رفض الخدمة
وتفكك الجيش
وعن كثرة
ضحايا الفلسطينيين في الانتفاضة ودلالاته وما يمكن أن يترتب عليه من
نتائج قال كريفلد: «في هذه الحرب يقتل الكثير من المنتفضين ولقد قتل
خمسون ألف أميركي و3 ملايين فيتنامي، وقتل عدة آلاف من الفرنسيين
مقابل 300 ألف جزائري، وفي البلقان قُتل عشرات الآلاف من الجنود
الألمان مقابل 800 ألف يوغسلافي، فالأرقام شيء غير مهم، هذا إلى جانب
أن الفلسطينيين لم يدفعوا ثمناً باهظاً على عكس ما نسمع عندنا!! فنحن
عندما أردنا أن نقيم (دولتنا) ضحيّنا بـ 1% من تعدادنا السكاني،
والفلسطينيون لم يقتربوا إلى هذه النسبة وما فقدوه حتى الآن 0.2%
فقط!
وسئل كريفلد
السؤال التالي: «ربما من الأفضل لإسرائيل أن تقوم للفلسطينيين دولة
ذات جيش نظامي وضعيف يمكننا أن ننتصر عليه؟ فقال: ليس عندي أدنى شك
بذلك، تحدثت بالأمس مع صديق أميركي من واشنطن شغل لعدة سنوات
مستشاراً للجيش الأميركي، وهذا ما قاله لي: «لماذا لا تعطوهم أن
يقيموا دولتهم، بعد ذلك يمكنكم أن تقذفوا بهم إلى الخارج متى أردتم
خلال خمس دقائق، هذا صحيح».
وعن
الإشكاليات التي تدفع الجنود الإسرائيليين لرفض الخدمة كشف كريفلد عن
اختلالات بنيوية خطيرة تواجه الكيان الصهيوني وتضعه أمام جملة من
المعضلات المركبة، وقد بدأ كريفلد بالتساؤل: «كيف يمكن أن تكون
صادقاً في الوقت الذي تقاتل فيه ولداً عمره خمس سنوات؟».
وأضاف: «رفض
الخدمة العسكرية هو دالة لجيش في حالة تفكك، والأوضاع تحوّل القائد
إلى غبي وكل عمل سيقوم به لن يجدي نفعاً وكل قرار سيتخذه لن يجدي
نفعاً كذلك، وهنا لا يهم الأمر سواءً اتخذت قراراً أو عكسه،
فالشخصيات التي أدارت البنتاغون أثناء حرب فيتنام كانت أفضل فريق
أدار البنتاغون في تاريخه، ولكن كل ما فعلوه لم يكن جيداً، وهذا يفسر
لماذا نغير كل يوم سياستنا مرة نضرب ببطش شديد، ومرة نريد وقف إطلاق
النار، ومرة نقوم بعمليات تصفية محددة، ومرة نحاصر عرفات وأخرى
نحرره».
إذا استمر
الوضع على ما هو عليه فإننا سنصل إلى تفكيك دولة "إسرائيل"، ليس عندي
شك في ذلك، والدلائل موجودة، ولكن قبل أن نتفكك نهائياً ستنشب هنا
حرب أهلية، وهذا هو الخط الأحمر بالنسبة لي، فجريمة قتل أخرى كتلك
التي حدثت لإسحاق رابين سأقوم وأرحل أنا وعائلتي، وتاركاً أبناء شعبي
الذين أحبهم هنا ليقتل الواحد منهم الآخر.
مشكلة
الجغرافيا ومعضلة الديموغرافيا
وعن الحل
يقول: «لقد أعددت خطة اقترحت فيها أن تكون الأوراق بأيدينا بحيث لا
ندير حرباً في ملعبهم، وبادئ الأمر لا بد من فصل تام بيننا وبينهم،
فعلى مدار سنوات طويلة دبّرنا أمورنا مع العرب الذين هم خارج دولة
"إسرائيل"، فكل عشر سنوات قاموا بافتعال مشكلة» ما «وكنا نأخذ
مطرقتنا الكبيرة ونضربهم بعنف مما أحدث بعد ذلك عشر سنوات من الهدوء،
حتى أنّهم في النهاية يئسوا من الأمر، والمشكلة تكمن في «سكان
المناطق» الذين لا يمكننا أن نفعل أي شيء ضدهم لأننا لا نملك هدفاً».
لا بد من فصل
تام بيننا وبينهم، لا وجود لجسور مفتوحة ولا علاقات اقتصادية ولا
سياسية، فصل مطلق على مدار جيل أو جيلين، أو وفقاً لما يحتاجه الأمر،
ولن نبني جداراً وهمياً نضحك به على أنفسنا، إننا نتحدث عن سور كسور
برلين، بل إن كان بالإمكان فليكن أكبر وعالٍ جداً حتى أن الطيور لا
يمكنها أن تطير من فوقه!!.
فسئل: إذا
نحن نعود إلى التمترس على طريقة الأزمنة القديمة والقرون الوسطى؟،
فقال: هناك أماكن في العالم فيها سور ويعمل بشكل جيد، وكوريا مثال
على ذلك، فسئل: «ومن سيتجاوزه حكمه الموت؟
فقال: نعم،
هذا ما كان في برلين، السور يمكن أن تتجاوزه ولكن الأثر الحقيقي يكمن
في البعد النفسي، فكل واحد يعرف جيداً إلى أي حد يمكنه أن يصل، وفي
هذا السور رسالة جيدة إلى العرب في "إسرائيل"، ومضمون هذه الرسالة:
إذا أردتم أن تعيشوا بيننا بأمن وأمان كمواطنين إسرائيليين، تفضلوا،
وإن كنتم لا تريدون، فإنكم تنقلون شرقاً، إن أحد أهم أهداف السور أن
يوقف الوضع الآخذ في التبلور بين العرب في "إسرائيل" الذي يدفعهم نحو
الانضمام إلى الانتفاضة».
الهدف إذن
كسر إرادة الفلسطينيين قبل تقييد حركتهم والوصول بهم لحالة الإذعان
التام وهو سيحقق هدفاً مزدوجاً - حسب طموح كريفلد - إذ يقضي على
احتمالات امتداد حالة المقاومة وراء ما يسمى «الخط الأخضر» حيث يعيش
عرب كثيرون فرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية، وعن القدس يقول: «المبدأ
نفسه، بحيث يكون أكبر عدد ممكن من العرب في الجهة الثانية، فالمشكلة
تكمن في الناس وليس في الجغرافيا، الأمر صعب جداً ولكنني أظن أنه إن
لم يكن لنا خيار فإنني سأتنازل عنها تماماً كما تنازلت عنها عام
1948. فالحياة أكثر قداسة من الأماكن المقدسة»!!
وعن فكرة
المناطق الفاصلة يقول: «هذا بله، إن هذه الدولة صغيرة، لا يمكن أن
نبني فيها مناطق فاصلة، إن المناطق الفاصلة هي محاولة إنشاء جدار
ولكنه ليس بجدار حقيقي، أو سور ولكنه ليس بسور، كل هذا لا ينفع، فقط
الذي يجدي نفعاً سور كسور برلين».
وسئل: «ولكن
إذا هاجمنا الفلسطينيون من الخلف، وشعروا أنّهم منتصرون، عندها فإن
مستوى الردع سيصل إلى الصفر؟ فقال: لذلك ثمة ضرورة لإعادة ميزان
الردع بيننا وبينهم، وهنا فأنا أقصد توجيه ضربة قاسية نوجهها قبل أن
نخرج، هذه الأمور يجب أن ننفذها بسرعة مطلقة وبقوة ودون أن نتأسف،
فأنا في مثل هذه الحالة سأستعمل المدفعية وليس الطيران لأنني أريد أن
أنظر إليهم في عيونهم إذ لا فائدة من هذه الحملة إن لم تبرهن بأعمالك
أنك يمكن أن تعمل كل شيء، علينا أن نضربهم بقسوة بكل ما بوسعنا حتى
لا نعود إلى ذلك وحتى لا يهاجموننا من الخلف عند خروجنا، علينا أن
نضرب بكل قوة وقسوة بحيث لا نحتاج إلى ضربة ثانية، إذ يمكن أن نقتل
منهم خمسة آلاف أو عشرة آلاف وإن لم يكن هذا كافياً عندها علينا أن
نقتل أكثر»!!
الهولوكوست
الصهيوني
وعلى النسق
النازي الذي ارتكب جريمة الهولوكوست بحق الأقليات اليهودية وغير
اليهودية لتطهير «المجال الحيوي» لألمانيا يطالب فان كريفلد
بهولوكوست صهيوني لتأمين المجال الحيوي الصهيوني وهي جريمة يبدو أنها
أصبحت أقرب مما نظن، إذ قال:
«إنني أتحدث
عن جريمة ضخمة، إن ما نقوم به الآن سلسلة لا نهائية من الجرائم
المستمرة التي ستقتلنا ومن الأفضل جريمة واحدة وثقيلة نخرج بعدها
ونغلق الأبواب من خلفنا»، وعن احتمال معاقبة الفاعلين قال: «الناس
يمكنهم أن يسامحوا على جريمة كبيرة واحدة شريطة ألا تتكرر إنهم
يسامحون إن كانت الجريمة سريعة ومختصرة إذا كانت ناجحة، ولكن إن فشلت
فعندها سيكون الدمار».
وسئل: «لقد
قلت إنه إذا حدث قتل سياسي مرة أخرى في البلاد فإنك سترحل، على
اعتبار أن هذا الأمر بالنسبة لك خطاً أحمر، ألا تجتاز دولتك الخط
الأحمر عندما ترتكب جريمة بشعة في مثل هذه الحالة؟ فقال: لا فالجرائم
البشعة والضخمة جزء من التاريخ وعلى هذه الجرائم يسامحون فأنا على
استعداد للعيش في بلد ارتكب جريمة لينهي كل الجرائم!!».
إن المناخ
الدولي والإقليمي يبدو مواتياً لمثل هذه الجريمة فهل تشهد الأرض
المحتلة قريباً «أم الجرائم»؟
|