الصهيونية.. جرائم وحشية وإرهاب عميق الجذور
عدنان أبو ناصر
صحيفة
البعث السورية 11/3/2003
تعكس الجرائم
الهمجية التي تمارسها آلة الحرب الصهيونية في الأرض الفلسطينية،
بتأييد ودعم من إدارة أمريكية لم تعد تقيم وزناً لمجتمع دولي بأسره،
مدى تجذر الإرهاب في الأيديولوجية الصهيونية.
تسلط الجرائم
الوحشية التي ترتكبها القوات الصهيونية في الأراضي العربية
الفلسطينية، والتي تُـتابع هذا اليوم بهمجية تفوق التصور في غزة
وجباليا وبيت لاهيا، حيث تقوم عشرات الدبابات التي تساندها الطائرات
والمروحيات باغتيال وجرح العشرات في وقت تدمر فيه الجرافات البيوت
الآمنة وتحطم البنية التحتية في المدن والقرى الفلسطينية، الضوء على
جذور الإرهاب التي تستند إليها الأيديولوجية الصهيونية والتي تشهد
اليوم تطبيقاً جديداً على يدي الإرهابي آرييل شارون وحكومته اليمينية
التي تجسد الفكر العنصري الإرهابي الذي قامت عليه الصهيونية.
لقد كتب
تيودور هرتزل عام 1896 في كتابه «دولة اليهود» قائلاً: «إن دولة
اليهود يجب أن تشكل في فلسطين جزءاً لا يتجزأ من سور الدفاع عن
أوروبا في آسيا، وقلعة متقدمة للحضارة ضد البربرية»، ويقول: «إذا
انتقلنا إلى منطقة توجد فيها حيوانات مفترسة لم يتعود عليها اليهود -
كالأفاعي الكبيرة مثلاً- سأحاول أن أستعمل السكان البدائيين للقضاء
على هذه الحيوانات قبل أن أجد لهم عملاً في البلاد التي يعبرون
إليها».
وعندما قدم
(حاييم وايزمن) إلى المجلس الأعلى لمؤتمر السلام المنعقد في باريس
مذكرته المعروفة، المؤرخة في 2 شباط 1919 التي تضمنت «الحد الأدنى
لدولة اليهود المقبلة»، فقد أدخل فيها فلسطين كلها وجنوبي لبنان
وجنوبي سورية وخليج العقبة، وخط حديد الحجاز حتى عمان، ومنابع مياه
الأردن في سفوح جبل الشيخ، وكغيره من الإرهابيين الصهاينة كتب
(فلاديمير جابوتنسكي) مخاطباً أنصاره: «كل إنسان آخر على خطأ، وأنت
وحدك على صواب، لا تحاول أن تجد أعذاراً من أجل ذلك، فهي غير ضرورية،
وهي غير صحيحة، وليس بوسعك أن تعتقد بأي شيء في العالم، إذا اعترفت
ولو لمرة واحدة، أن خصومك قد يكونون على صواب لا أنت فهذه ليست
الطريقة لتحقيق أي أمر. لا توجد في العالم إلا حقيقة واحدة، وهي
بكاملها ملكك أنت».
وتتضح
المنطلقات الأساسية في العقيدة الصهيونية في الرجوع إلى تاريخ نشوء
المنظمات الإرهابية التي تفرعت عنها الأحزاب والمستويات السياسية
والعسكرية الحالية في الكيان الصهيوني.
وأشهر
المنظمات الإرهابية التي مهدت لنشوء الكيان الصهيوني: الهاغاناه،
البالماخ، فرق العمل، الأرغون وغيرها.
يقول (يغال
آلون) أحد ضباط الهاغاناه، ومن قادة البالماخ في كتابه «تكوين الجيش
الإسرائيلي»: منذ عام 1880 ابتدأ تشكيل خلايا سرية ولم تكن لهذه
التنظيمات صفة سياسية، ولكن ترتبت عليها بصورة غير مباشرة نتائج
سياسية، وهكذا تشكلت نوى متعددة مختلفة لمنظمات عسكرية يهودية سرية
ذات اتجاهات سياسية».
وقد سوغ قادة
هذه المنظمات الإرهابية لأنفسهم ولأتباعهم ارتكاب أية جرائم وحشية
بربرية، ومنها جرائم الاغتيال. وبهذا الخصوص ضم كتاب «تاريخ
الهاغاناه» للكاتب الصهيوني «بن زيون دينور» لوائح بأسماء الزعماء
العرب الذين قررت قيادة الهاغاناه اغتيالهم منذ عام 1945 والمفارقة
أن أعضاء هذه المنظمات الإرهابية أصبحوا وزراء ونواباً وقادة عسكريين
فيما بعد.
أما البالماخ
فهي القوة الضاربة للهاغاناه، وقد انتخب أفرادها من أقوى عناصر
الهاغاناه وشباب المستعمرات.
وأفضل مصدر
عن البالماخ هو كتاب «سفر البالماخ» وفيه غدت هذه المنظمة الوحدة
العسكرية المحترفة الأولى، لها أيديولوجيتها السياسية إلى جانب
نظامها الدقيق، وهدفها العسكري الشامل هو السيطرة على الوضع العسكري
في فلسطين بكاملها. وكانت تتمثل في الحركة الصهيونية الاتجاه التوسعي
العسكري الذي يجب تحقيقه على أكبر مستوى ممكن دون الاكتفاء بمجرد
الدفاع عن المستعمرات. وقد تطورت البالماخ وتشعبت بين عامي 1941 و
1948 حتى أصبحت لها تنظيماتها العسكرية في كامل أنحاء فلسطين.
ومن إرهابيي
البالماخ الذين اشتهروا وأصبحوا رؤساء أركان الجيش الصهيوني فيما بعد
(موشي دايان)، (اسحق رابين)، (حاييم بارليف)، وقد عرف الجيش الصهيوني
أكثر من 45 لواء كانوا من إرهابيي البالماخ السابقين، ومنهم من
أصبحوا وزراء بل رؤساء وزراء كإسحق رابين.
أما عصابة
الأرغون تسفاي لئومي، أو المنظمة العسكرية القومية فإن هوية هذه
المنظمة الإرهابية المتطرفة تتضح من خلال كتاب زعيمها (مناحيم بيغن)
وعنوانه «الثورة: قصة الأرغون» ومن خلال كون الإرهابي (فلاديمير
جابوتنسكي) الأب الفكري لهذه المنظمة الإرهابية.
يقول بيغن في
مقدمة كتابه: «كتبت هذا الكتاب أيضاً لغير اليهود، خشية ألا يكون قد
ثبت لديهم، أو خوفاً من أن يكونوا قد نسوا أنه من الدماء والنار
والدموع والرماد قد خلق صنف جديد من البشر لم يعرفه العالم لأكثر من
1800 سنة، وهو اليهودي المحارب».
والكتاب ينبض
بالحقد في كل صفحة من صفحاته، ولا يحاول بيغن إخفاء ذلك بأي شكل من
الأشكال، بل يعلنه صراحة في المقدمة، ويعترف أنه بين الدوافع الأولى
التي استوحى منها فلسفته ومنطقه، بحيث يقول: «قال ديكارت، أنا أفكر
فأنا إذاً موجود، وأقول: أنا أحارب فأنا إذاً موجود».
ومن العصابات
الأخرى التي مارست الإجرام بحق شعبنا العربي، عصابة شتيرن التي انشقت
عام 1940 عن الأرغون والتي أسسها (ابراهام شتيرن) الذي قتل عام 1942
وهذه المنظمة الإرهابية قامت بسلسلة هجمات على أهداف عربية في فلسطين
من عكا شمالاً إلى غزة جنوباً، ومن الشاطئ غرباً إلى هضاب القدس
شرقاً، وكله ذلك بالتنسيق مع الهاغاناه والبالماخ والأرغون ضمن تشكيل
إرهابي صهيوني سمي «الجبهة المقاتلة».
كان العامل
الأكبر والأهم في اغتصاب فلسطين، وطرد العرب من ديارهم، إذاً هو
الإرهاب الذي مارسه الصهاينة وعصاباتهم على شكل عمليات متنوعة
وعديدة، قصدوا من ورائها إجبار العرب على الرحيل.
واستمرت هذه
المجازر بعد قيام الكيان الصهيوني بل وتطورت إلى ما يمكن تسميته
الإرهاب الرسمي المنظم بحيث تحولت "إسرائيل" من عصابات تمارس الفعل
الإجرامي بحق العرب سكان البلاد الأصليين إلى جيش نظامي بينت مسيرته
أن الجوهر فيه هو العدوان.
ويمتد الحديث
إلى الجرائم الدامية التي يرتكبها الصهاينة منذ بداية انتفاضة الأقصى
في 28/9/2000 وخصوصاً بعد تسلم شارون رئاسة الحكومة بحيث كانت حصيلة
الإرهاب أكثر من ألفي شهيد فلسطيني وعشرات الآلاف من الجرحى
والمعتقلين واجتياح المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع
تدمير لأحياء بكاملها على رؤوس أصحابها، حيث وقع في مخيم جنين وحده
أوائل نيسان الماضي حوالي 500 شهيد أكثرهم من النساء والأطفال إضافة
إلى أكثر من 20 شهيداً في حي الدرج في قطاع غزة نتيجة لغارة جوية
صهيونية على حي سكني.
وحرب الإبادة
الوحشية هذه تسلط الأضواء من جديد على الإرهاب الصهيوني، وعلى رموزه
من أمثال شارون وموفاز، وبما يؤكد أن الإرهاب عنصر أساسي في العقيدة
الصهيونية.
ففي الأقوال
التي أدلى بها في التحقيق الذي أجراه معه الجنرال الصهيوني (عوزي
ميراهام) عام 1956 بعد ارتكابه مذابح في خان يونس ورفح، والذي استهدف
أساساً، لا إدانة تلك المذابح، بل بحث مسؤولية شارون عن مقتل العشرات
من الضباط والجنود الصهاينة أثناء تنفيذها، قال شارون في سياق
الادلاء بشهادته: «لقد أذقت الفلسطينيين ألواناً من العذاب والهوان..
أنا لا أعرف شيئاً اسمه المبادئ الدولية.. أتعهد بأنني سأحرق كل طفل
فلسطيني يولد في المنطقة.. إن الأم الفلسطينية والطفل الفلسطيني قد
يكونان أخطر من الرجل الفلسطيني الآن، وجود الطفل الفلسطيني يعني
استمرار الأجيال، وتعاقب الفلسطينيين، أما الرجال فإنهم يمثلون خطراً
آنياً قد ينتهي بقتلهم.. أعاهدكم بأنه حتى إذا جردتموني من كل الرتب
العسكرية وقابلت فلسطينياً فإنني سأقتله، وسأجعله يتعذب كثيراً قبل
أن يموت».
هذه باختصار
فلسفة الصهيونية ورؤية المؤسسة العسكرية في "إسرائيل"، وهي تؤكد
بوضوح أن الرهان على جلب مثل هؤلاء الإرهابيين إلى دائرة السلام ما
هو إلا وهم وسراب.
|