الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

جدار "شارون" المكهرب

محمد الخولي- كاتب سياسي من مصر

 

صحيفة البيان الإماراتية 10/7/2003

عندما تعمد الدوائر الأميركية المسئولة، وتتابعها على ذلك وسائل الدعاية والإعلام إلى وصف شارون بأنه «رجل سلام» تثور على الفور عواصف من رياح الاستفزاز العاتية رافعة في دوامة هبوبها عشرات.. بل مئات من علامات التعجب والاستفهام.

ذلك لأن «رجل السلام» إياه لم يعد يخفي ذلك المعيار المزدوج القائم على النفاق السياسي، المكشوف بكل المقاييس، وفي إطاره يبعث رئيس الوزراء الإسرائيلي بوفوده وممثليه إلى اجتماعات التفاهم - حتى لا تقول السلام - مع الطرف الفلسطيني فيما يواصل ممعناً وغير مبال فيما يبدو، مشروعه البالغ الخطورة الذي يحمل العنوان التالي:

إقامة جوار عازل بين "إسرائيل" والأرض الفلسطينية.

الجدار المعنوي والمادي

صحيح أن ثمة جداراً عازلاً.. حائطاً معنوياً متجذراً أو حاجزاً صلداً يفصل بين "إسرائيل" والفلسطينيين. هو حائط أو سور من المقت والعداوة لم يبادر إليه الشعب الفلسطيني بل فرض على هذا الشعب فرضاً يحكم آليات مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني الذي بدأوا ينسجون خيوطه الشريرة منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى أن أرسوا قوائمه متمثلاً في الكيان الدولة قرب منتصف القرن العشرين.

لبنات هذا الحائط مصنوعة كلها من آثام إرهاب العصابات الصهيونية التي ارتكبت مذابح جماعية، تدخل في باب إبادة البشر (جينو سايد) وتندرج ضمن فئة الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، التي يعاقب عليها القانون الطبيعي والقانون الدولي ولا تسقط بالتقادم ولا تنمحي يوماً من سجل ذاكرة الشعوب.

سور الذكريات المريرة

وإذا كان هذا السور أو الحائط أو الجدار الذي قام بين الجانبين مشيداً من لبنات الذكريات المريرة التي وعاها الوجدان الجمعي الفلسطيني - العربي من واقع عذابات الشعب العربي في فلسطين إلا أن جدار شارون المطروح حالياً هو في الأساس بناء حقيقي وجدار واقعي لم يتورع رئيس الحكومة الصهيونية عن وضع أساساته بل مازال سادراً في بنائه ليفصل بين أراضي السلطة، ومن ثم الدولة الفلسطينية التي تتوخاها خريطة الطريق.

يكفي أن نقول إن الحائط الذي يزمع شارون إقامته سوف يمتد مسافة تبلغ ألف كيلو متر وتصل تكلفته إلى نحو 3 مليارات من الدولارات على أن يتم تزويده بتيار كهربائي وتدعيمه بكيلومترات من الأسلاك الشائكة والأبراج المسلحة.

دعم من أميركا

يلفت الاهتمام أن شارون يعول في هذا المشروع على دعم سياسي ومعنوي، فضلاً عن الدعم المالي الدولاري من الولايات المتحدة، التي طالما نادت وما برحت دوائرها السياسية والفكرية، والعقائدية تنادي بأننا نعيش ظاهرة العولمة التي تدعو إلى تجاوز الحدود وإلى فتح السدود وإلى رفع الحواجز التي تحول دون تواصل الأمم والتفاعل من الشعوب يعمل شارون على إقامة حاجز إسمنتي مكهرب ومحاط بأطواق من بعد أطواق من الأسلاك الشائكة بين "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية في نفس المرحلة الزمنية من حياة عالمنا التي تشهد كل يوم شعارات وكيانات وتجمعات ومؤسسات من قبيل «أطباء بلا حدود» أو «صحفيون بلا حدود» أو «القرية التي اسمها العالم» أو «السماوات المفتوحة أمام ثورة الاتصالات الفضائية ونواتج التقدم المؤهل في عوالم الحواسيب والإلكترونيات.

هنالك تقصد دوائر الاحتلال العنصرية الصهيونية إلى فرض أسوار العزلة المادية ومن ثم المعنوية على الشعب الفلسطيني إذا ما تسنى له يوم. (في عام 2005 حسب خريطة الطريق التي طرحها الرئيس الأميركي بوش) أن يقيم دولته المنشودة على ترابه الوطني.

دولة أم سجن

هنالك تتحول الدولة المقامة فوق الوطن الفلسطيني إلى سجن جماعي يعيش في غياهبه وبين جدرانه ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين من أبناء الشعب الفلسطيني وهو سجن شاسع ضخم في التحليل مهما ارتفعت فوق هذه الجوارات شعارات السيادة أو رايات الاستقلال أو صكوك الاعتراف بالدولة المحاطة بأسوار مكهربة، من جانب منظومة الأمم المتحدة.

بمعنى آخر يعمل أرييل شارون على إقامة ما يمكن وصفه بأنه «بانتوستات» فلسطيني إلا أن جدار شارون المطروح حالياً هو في الأساس يقيم وسطها الشعب العربي إذا ما استخدمنا المصطلح الشهير المستقى من أدبيات مرحلة السيادة للأقلية العنصرية البيضاء في جنوب أفريقيا. أو يقصد شارون إلى أن يدفع الشعب العربي الفلسطيني إلى العيش داخل «معازل» محاصرة ومخصصة إذا ما استخدمنا التعبيرات المستقاة بدورها من أدبيات التجربة الأميركية من حيث تعامل المستوطنين الوافدين من أوروبا على أراضي «العالم الجديد» مع الهنود الحمر من سكان الشمال الأميركي الأصليين.

كتاب مهم

وبمناسبة الهنود الحمر.. فقد نشر في أميركا كتاب نراه جديراً بأن يحوز اهتمام الدوائر الفكرية والبحثية - الأكاديمية العربية ويحمل العنوان التالي: تاريخ للشعب الفلسطيني.

والكتاب صادر عن جامعة هارفارد بالولايات المتحدة وقد شارك في تأليفه اثنان من الأكاديميين المرموقين أولهما البروفيسور جويل ميغدول أستاذ الدراسات الدولية في جامعة واشنطن والثاني - وهذا هو المهم لموضوعنا، هو البروفيسور باروخ كملنغ أستاذ علم الاجتماع بالجامعة العبرية في "إسرائيل". يتضح الاتجاه المستجد لهذا الكتاب من واقع ما يسجله الناقد ايان غيلمور في عرضه للكتاب حين يقول:

" الفلسطينيون هم في العالم المعاصر (أقرب) إلى سكان أميركا الأصليين.. ففي القرن التاسع عشر لم يكن المهاجرون الأميركيون يلقون بالاً ولا يأبهون أساساً للسكان أصحاب الأرض الأصليين بل لقد استولوا على أراضيهم وظلوا يطاردونهم ويلاحقونهم صوب الغرب شبراً بعد شبر قبل أن يعمدوا إلى تجميعهم داخل معسكرات المعازل وقد بلغ أمر هذا السلوك الفظ المعدوم الضمير أن حاز إعجاب هتلر(!) الذي أعلن أنه ينبغي للألمان أن يعاملوا شعوب شرق أوروبا معاملة ذوي البشرة الحمراء (يقصد الهنود الحمر من سكان أميركا الشمالية الأصليين)".

ورغم أن الكتاب الذي ألمحنا إليه لا يعقد مثل هذه المقارنة التي يعقدها الناقد الإنجليزي (أسبوعية الغارديان ويكلي عن الاوبزروفر البريطانية، عدد 25/6/2003) - إلا أنهما يختاران لأحد فصول الكتاب عنواناً له دلالته الذاتية التي لا تخفى وهو: المعزل الفلسطيني والمقصود هنا هو قطاع غزة على وجه التحديد.

درس النكبة

في هذا السياق يقف مؤلفا الكتاب عند منعطف النكبة في الفترة 1948 - 1949 معترفاً بأن 750 ألف فلسطيني كانوا يعيشون فوق ترابهم الوطني «تم طردهم كما يؤكد المؤلفان من ديارهم باستخدام أساليب التطهير العرقي الإسرائيلية الوحشية. هذا «التهجير القسري» (ترانسفير كما تقول الكناية الصهيونية) تم إنجازها - كما يؤكد المؤلفان - بارتكاب المجازر الدموية واستخدام القوة الجبرية وأساليب التخويف والترويع وعندما رفضت "إسرائيل" السماح بعودة اللاجئين إلى ديارهم فقد دمرت بهذا معالم 40 قرية فلسطينية.

دراما 1967

بعد ذلك يتطرق مؤلفا الكتاب الأميركي والإسرائيلي ومعهما ناقده الإنجليزي إلى أحداث عام 1967 ولاسيما في قطاع غزة الذي أخضعوه للحكم العسكري تحت إمرة جنرال صهيوني اسمه، أرييل شارون، وطبقاً لأوامر شارون، تم - كما يسجل الكتاب الذي نحن بصدده - «إعدام أعداد من الشباب الفلسطيني دون محاكمة بعد محاولة تمرد قاموا بها.

ملف الضابط القديم

وفي هذا السياق بالذات يعود المؤلفان بالذاكرة المعاصرة إلى ملف الضابط الصهيوني شارون شخصياً ويتوقفان عند واحد من «إنجازاته» في عام 1953 حين ارتكب مع جنوده - كما يسجل المؤلفان بالحرب مذبحة فوق الأرض الأردنية قتلوا فيها 69 عربياً كان من بينهم 46 من النساء والأطفال.

يسجل المؤلفان أيضاً كيف عملت "إسرائيل" عام 1967 على ابتلاع 78 في المئة من رقعة فلسطيني وكيف أن «جمهرة المراقبين» تتصور أن هذه مساحة في غاية الضخامة لليهود الذين لم يكونوا يشكلون عام 1948 سوى 6 في المئة فقط لا غير من حجم السكان.

يسجل الكتاب كذلك أن الأمر لم يقتصر على هذا الحد بل تجاوزه إلى إنشاء المستوطنات الصهيونية (وزير المستوطنات في فترات متفرقة كان شارون وليس غيره) وكان الأمر قد تجاوز إلى حد أن أعلنت جولدا مائير، الزعيمة الصهيونية المعروفة خلال زيارة لها للولايات المتحدة (في ولاية ملووكي بالذات) أنها حين جاءت إلى فلسطين (مهاجرة من شرق أوروبا لم يكن هناك شيء اسمه الشعب الفلسطيني وبالتالي فلا محل لاتهام (الصهاينة) بأننا حين جئنا إلى هذه الأرض فقد طردناهم واستولينا على بلادهم.. ببساطة لأنه لم يكن لهم وجود(!)

الشارونيون

ويشيد الناقد غيلمور بالفصول التي يتبع فيها الكتاب قدراً من سبل الإنصاف - العلمي أو التاريخي على الأقل - حين يسجلان حقيقة أن شارون يتوخى هدفاً أثيراً لديه ويتمثل بغير مواربة في محو الكيان السياسي المستقل للفلسطينيين أو هو نوع يطلق عليه الكاتبان «قتل السياسة» وينبهان إلى ما يكاد يكون جميع المنتمين عقائدياً إلى الجناح اليميني المتطرف في واشنطن أصبحوا ينهجون حالياً نفس الخط السياسي تتبعه حكومة شارون الحالية وفي هذا الصدد نقرأ الوصف التالي للأستاذ غيلمور نقلاً عن مؤلفي الكتاب:

"إنهم شارونيون.. وبالنسبة لهم يظل العدل للفلسطينيين أقرب في أجندتهم إلى ما كان إليه العدل للهنود من سكان الأرض الأميركية الأصليين - حيث المشابهة أو المقاربة هنا تدور بين الإسرائيليين في زماننا وبين الرواد المستوطنين الوافدين على أميركا خلال القرن التاسع عشر."

في ضوء هذا كله تسود نغمة من التشاؤم. هكذا كتبت جريدة الأوبزرفر البريطانية ثم أضافت تقول:

 "قد يحصل الفلسطينيون في نهاية المطاف على شيء ما يمكن أن يطلق عليه وصف«دولة. مع ذلك - تضيف الأوبزرفر - فهذه الدولة لن تكون في حقيقة الأمر سوى «بانتوستان» جديد (كما كان الحال في جنوب أفريقيا) أو أحد المعازل الجديدة (كما هو الحال مع الهنود الحمر من سكان أميركا الأوائل)."

ملاحقة أكاديمي منصف

وإذا كنا قد توقفنا عند حقيقة أن أحد مؤلفي هذا الكتاب المهم يعمل أستاذاً في جامعة إسرائيلية، فذلك لأن فريقاً من أصحاب الفكر الجديد من صفوف الأكاديميين الإسرائيليين أنفسهم باتوا يتابعون بقدر من موضوعية الصراحة العلمية كل من دار في سجلات الحركة الصهيونية وحوليات إنشاء "إسرائيل" في محاولة لتبديد الأوهام التي شاعت وتفنيد الأكاذيب التي تم ترويجها. وهذا الفريق من الباحثين والمؤرخين يتعرضون لمضايقات وملاحقات من جانب الدوائر الصهيونية الحاكمة في "إسرائيل".

أحدث نماذج هذه الملاحقات ما تعرض له البروفيسور إيلان بابيه الأستاذ بقسم الشرق الأوسط في جامعة حيفا وهو عضو بارز في الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وله طروحات عديدة تكشف عن وحشية المعاملة التي اتبعتها العصابات الصهيونية إزاء جموع المدنيين من أبناء الشعب الفلسطيني.

رسالة من الناصرة

يكتب الأستاذ زهير أندراوس من مدينة الناصرة (جريدة القدس العربية)، عدد 25/6/2003 قائلاً:

"لقد رفضت الجامعة السماح للبروفيسور بابيه بتنظيم ندوة علمية عن الشرق الأوسط في إطار الملاحقة السياسية والأكاديمية التي يتعرض له، ومن الأسباب أنه أشرف على بحث أكاديمي أعده المؤرخ تيدي كاتس وتوصل فيه إلى نتيجة حتمية مفادها ما يلي:

إن العصابات الصهيونية ارتكبت عام 1948 مجزرة رهيبة في قرية الطنطوري المتاخمة لحيفا وراح ضحيتها عشرات من المدنيين الفلسطينيين".