الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

"إسرائيل" محكومة بعصابة "مافيا" خارج القانون

 

د. عبد الهادي بوطالب

صحيفة الخليج الإماراتية 21/9/2003

 

 حكومة "شعب الله المختار" تعتبر نفسها مؤهلة لمعاملة العالم بالإهانة والاحتقار. وهي لا تخجل في عهد سيادة حضارة الأخلاق والقوانين أن ترتكب أي جريمة مهما عظمت لا يتوفر لحكومة "إسرائيل" خاصة في عهد شارون  أي مقوم من مقومات الدولة المتحضرة، بل إن جميع تصرفاتها حيال شعب فلسطين خارجة عن القانون وبالأخص منها مسلسل الاغتيال الممنهج وهدم بيوت المدنيين على رؤوسهم، وتحويل الفلسطينيين إلى شعب مشرد إلى غير ذلك من سلسلة المخازي المعروفة التي سارت بذكرها الركبان، واستنكرها القاصي والداني، وأصمت "إسرائيل" عن سماعها الآذان.

 

لكن القرار الذي اتخذته حكومة شارون بعزل الرئيس ياسر عرفات الذي باركته الولايات المتحدة، ونفيه خارج وطنه، وإعلانها أن اغتياله خيار وارد شكل النقطة التي طفحت بها الكأس بما لا مزيد عليه، وكشف الحكومة الشارونية على حقيقتها بدون قناع في شكل عصابة مافيا لا تتستر بارتكاب الجنح والجرائم، ولا تأبه بالقوانين والأخلاق، وتحتقر القانون الدولي، وتنظر إلى منظمة الأمم المتحدة بنظرة الاستعلاء والازدراء، وتتحدى على شاكلة دون كيشوت  العالم كله، واضعة نفسها في خانة منعزلة، وسائر العالم في خانة أخرى.

 

ما الذي يجعل هذه المافيا تتصرف هذا التصرف الأهوج بقيادة الجنرال الأرعن؟ هل وراء ذلك قوتها العسكرية بوصفها دولة نووية، وبحكم أن جيشها المدجج بالسلاح والعتاد المتطورين يصنف عالمياً في الرقم الرابع بين جيوش الدول العظمى، لا أظن ذلك، فالدول التي تفوقها عدداً وعدة ظلت رغم ذلك محتفظة بتوازنها الذهني بعيدة عن ارتكاب حماقات التحدي من مثل ما ترتكبه هي كل يوم في فلسطين الشهيدة على مسمع العالم وبصره بدون أي حياء أو خجل.

 

إن وراء ارتكاب مافيا "إسرائيل" حماقاتها التي لا تحصى شعور الاستعلاء الذي وظف فيه الدين توظيفاً مجازفاً وغير معقول: أن الأصولية اليهودية تقول عن شعب "إسرائيل" إنه شعب الله المختار من الرب ليقوم على الأرض برسالة احتقار (الأغيار) أي كل من ليس يهودياً، وجواز نفيهم وقتلهم وطردهم من مساقط رؤوسهم ومساكنهم، بل توجب هذه الأصولية معاملتهم بالقسوة إلى درجة القتل تقرباً بدمهم إلى الرب. وهذه الأصولية ممثلة بقوة في مافيا شارون التي تسمى حكومة شارون، وعليها يعتمد شارون لإطالة عمر عصابته.

 

القانون الجنائي في أغلبية النظم السياسية العالمية المتحضرة يعتبر العربدة على الساحة (أو الميدان) العمومية جنحة (أو جريمة) تلزم السلطة الساهرة على الأمن بإلقاء القبض على مرتكبها وتقديمه للقضاء في حالة التلبس، ليصدر عليه الحكم بعقوبة الحبس والغرامة. وإذا اقترنت جريمة العربدة بالعري وكشف العورة في الساحات العمومية تكبر الجريمة ويرتفع حجم العقوبة.

 

لكن لا توجد في القانون الدولي نصوص تقنن وتعاقب ارتكاب جريمة العربدة والعري السياسيين على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي. وهذه ثغرة يجب سدها عملاً بمقولة: "يحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور". وما أعظمه من فجور ما يرتكبه شارون بحق شعب فلسطين ويجاهر به! والقرار الذي اتخذته حكومة شارون بطرد الرئيس عرفات مجاهرة بالعربدة السياسية تعرت فيه دون حياء، وبدت فيه مكشوفة تتحدى وتصدم مشاعر العالم المتحضر، منطلقة في اتخاذها هذا القرار من مركب الغطرسة والاستعلاء على العالم والتمرد على أخلاقه التي تعارف المجتمع الدولي عليها.

 

حكومة "شعب الله المختار" تعتبر نفسها مؤهلة لمعاملة العالم بالإهانة والاحتقار. وهي لا تخجل في عهد سيادة حضارة الأخلاق والقوانين أن ترتكب أي جريمة مهما عظمت. وهي تستهين بالقوانين المحرمة للجرائم بل تدوس عليها بالأقدام، يشجعها على ارتكاب حماقاتها أنه منذ نشأتها سنة 1948 وهي تبصق في وجه الأمم المتحدة ولم تنفذ ولا واحداً من قراراتها الملزمة المتصلة باحتلالها الأراضي العربية، ولم تتخذ ضدها عقوبات لردعها.

 

تقول "إسرائيل" عن نفسها إنها دولة ديمقراطية، أي أن حكومتها منبثقة من إرادة شعبية بالاقتراع العام، وإنها تحترم هذه الإرادة، وعلى الآخرين احترامها، لكنها تصدر قراراً انفرادياً بعزل رئيس السلطة (أو الدولة) الفلسطينية رغم أنه ليس مواطناً إسرائيلياً ولا موظفاً عندها، بل هو منتخب من شعبه بالاقتراع العام. وهي نفسها تعاملت معه طيلة سنوات بهذه الصفة. وكنا شاهدنا في لقطة تلفزيونية معبرة جرت وقائعها بالبيت الأبيض في عهد الرئيس بيل كلينتون كيف كان رئيس الوزراء الإسرائيلي "أيهود باراك" يقدم الرئيس عرفات على نفسه ليسير هو وراءه تقيداً بقواعد البروتوكول القاضية بأن يتقدم رؤساء الدول على رؤساء الحكومات. وقرار الطرد والنفي يعني أن الغطرسة الإسرائيلية أصبحت في عهد شارون تعتبر أن سلطة الاحتلال تملك  خلافا لجميع القوانين والمواثيق الدولية سلطة التصرف الكامل في رقبة الكيان الفلسطيني المحتل، حتى إلى حد عزل رئيسه المنتخب. فأية ديمقراطية هذه الديمقراطية الإسرائيلية الغريبة؟

 

وتقول حكومة شارون إنها تقاوم الإرهاب وتشترط أن لا تفتح أي حوار مع السلطة الفلسطينية لتطبيق خريطة الطريق إلا بعد أن يستأصل رئيس الحكومة الفلسطينية (سواء كانت كنيته أبو مازن أو أبو علاء) دابر المقاومة التي تسميها هي والولايات المتحدة بالإرهاب في الوقت الذي ترتكب فيه كل يوم جريمة الاغتيال الممنهج الذي يقتل مع الضحية عشرات المدنيين من مختلف الأعمار، وتهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، وتحطم وتحرق بالنيران أثاثها وأسرتها ومهود أطفالها الرضع. فماذا يمكن أن تسمى هذه الجرائم؟ أليست إرهاب دولة بجميع الاعتبارات والمقاييس؟ ولماذا لا ينهى عنه المجتمع الدولي ويسميه باسمه الحق؟

 

لم يرتكب الاستعمار الأوروبي الذي تسلط على عالم الجنوب مثل هذه الحماقة إلا مرة واحدة عندما عزل (أو خلع) نظام الحماية الفرنسية بطل التحرير محمد الخامس ونفاه إلى جزيرة كورسيكا ثم ندم من حيث لم ينفعه الندم. إذ أجمع الشعب المغربي على اعتبار الملك المنفي شهيداً مقدساً، وارتفعت شعبيته حتى لقد رأت الجماهير صورته في القمر كما لو كان رفعه الله إليه، وأجمعت على الانتقام، وتحول كل مغربي إلى فدائي أو مشروع فدائي، وتطور الكفاح الوطني من كفاح سياسي مسالم إلى كفاح مسلح أصاب قتلاً وجرحاً الفرنسيين وأعوانهم، وتولى جيش التحرير الوطني قيادة المعركة مراهناً على حرب طويلة الأمد، فلم يسع حكومة باريس إلا الاعتراف بغلطة نفي الملك، واضطرت إلى الدخول في مفاوضات مع السياسيين الوطنيين من قيادة الجبهة الوطنية انتهت بعودة الملك إلى عرشه وإعلان الاستقلال. فهل يأخذ شارون العبرة من هذا الحدث التاريخي؟ وأظنه لا يجهله.

 

لقد نصحت الولايات المتحدة حكومة شارون بالعدول عن قرارها لأنه كما قالت عنه  غير مفيد. وكان عليها أن تصارحها بالحقيقة وتقول لها: إنه يشكل خطراً على وجود "إسرائيل"، وإن ارتكاب هذه الحماقة اغتيال لعملية السلام، وإن حظوظ توفير الأمن الذي وعد به شارون شعبه وعجز عن تحقيقه ستتلاشى وتنتهي، ويصبح الحديث عنها حديث خرافة.

 

إن مجرد الترويج لارتكاب هذه الحماقة وقبل تنفيذها زاد في ارتفاع شعبية الرئيس عرفات من خلال عشرات المظاهرات التي حجت إلى عرينه برام الله، وصاحت إنها لن تبرح مكانها. وستشكل دروعاً بشرية لفداء قائدها، ولن تختطفه "إسرائيل" لا حياً ولا ميتاً، وأنها قبل الوصول إليه سيضطر جيش "إسرائيل" إلى الزحف على أشلائها. وقال الرئيس عرفات من جهته "لن يستطيعوا نفيي ويستطيعون قتلي". وقد وقع الإجماع الدولي على التنديد بهذه الحماقة، بما في ذلك البيان الذي صدر عن مجلس الأمن وكان واضحاً وإن لم تتم صياغته في شكل قرار.

 

بارتكاب هذه الحماقة ستتعطل لغة الحوار بين "إسرائيل. وفلسطين. ولن يظهر على المشهد السياسي زعيم ثالث مؤمن بالتفاوض بعد فشل أبو مازن وأبو علاء الذي ستكرسه حماقة شارون الكبرى.

 

وأرى أنه قد أصبح لزاماً على الدول العربية التي طبعت علاقاتها بـ"إسرائيل" وهي مصر والأردن وموريتانيا أن تنذر "إسرائيل" بأنها ستكون مضطرة إلى قطع العلاقات معها إذا ارتكبت هذه الحماقة. كما على الدول العربية التي تضغط عليها "إسرائيل" والولايات المتحدة لتطبيع علاقاتها مع "إسرائيل" أن تقول لهما إن الحديث عن التطبيع بعد ارتكاب هذه الحماقة سيصبح غير ذي موضوع. وقد وجه العاهل المغربي محمد السادس خطاباً إلى شارون فيه إشارة إلى ذلك. إذ بارتكاب هذه الحماقة النكراء سيكون السيل قد بلغ الزبى والحزام الطبيين.

يرى بعض المحللين السياسيين أنه لا يعقل أن تكون حكومة شارون جادة وصادقة مع نفسها بإعلانها هذا القرار الطائش الذي يرفضه المنطق والعقل، وإنه مجرد بالون اختبار لسبر غور ردة فعل المجتمع الدولي ولمعرفة ما إذا كان لا يزال يوجد بينه من يستطيع أن يتجاهر برفض القرار، وللاطلاع على مقدار تأييد حليفتها الأمريكية لقرارات من هذا النوع، على أن تتربص بتنفيذه إذا ما تبين لها انه غير مقبول.

 

ويرى محللون سياسيون آخرون أن "إسرائيل" إنما ألقت بهذا القرار الصاروخي الفتاك للتصعيد نحو الأسوأ وصرف الرأي العام الدولي عن الاهتمام بروح مشكل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني: مشكل الاحتلال والاغتيال وبناء السور العنصري، ونشر المزيد من المستوطنات فوق التراب الفلسطيني، وإنها ستنتهي إلى السكوت عن هذا القرار والإعلان عن إرجائه إلى أجل آخر، وبذلك تتظاهر بأنها تقبل التعاطي العقلاني مع الضغوط الممارسة عليها للانخراط في عملية السلام وقبول خريطة الطريق.

 

وأنا أومن بهذا التأويل الذي اعتبره أقرب إلى الصحة. ولشارون سوابق في هذا الباب تؤكد رجحان هذا التأويل. إنه عود العالم أن يمضي في التصعيد خطوات إلى أقصى مدى، ليتراجع خطوة أو خطوتين. وبذلك يظل يراوح مكانه مراهناً على عامل الزمن الذي يوظفه لصالحه. وهو في ذلك يلعب رقصة الطانكو، ويظن أنه يلعب دائماً على الناس، وسيتأكد لا محالة أنه سينتهي سواء أحب أم كره إلى تصديق مقولة الرئيس الأمريكي "إبراهام لنكولن": "إنك تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، وتستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت".

 

ومهما طال الكذب فحبله قصير، وسيبقى أشبه بالوعل الوحشي الذي قال عنه شاعرنا العربي القديم:

 

كناطح صخرة يوما ليُوهنها      فلم يهنها وأوهى قرنه الوعل