في ظل المساومات والضغوط الخارجية
"إسرائيل" تحاول ممارسة دور اللاعب الوحيد بالشرق
الأوسط
بقلم :رياض أبو ملحم /كاتب لبناني
صحيفة
البيان الإماراتية 20/8/2003
إذا كان
أرييل شارون نجح في أن يركب موجة «مكافحة الإرهاب» الأميركية بعد 11
سبتمبر 2001 ويحقق العديد من الإنجازات المهمة تحت غطائها، أبرزها
الاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية عبر النشاط الاستيطاني
ومستلزمات إقامة جدار الفصل العنصري وتقليص الوجود العربي في القدس
الشرقية وجوارها، فإن القوى المناهضة لسياسات الهيمنة الأميركية في
منطقة الشرق الأوسط تحاول، هي الأخرى، أن تستفيد من موقف الإدارة
الأميركية في العراق لتحقيق مكاسب مضادة تتمثل خصوصاً في منع الحكومة
الإسرائيلية من الاحتفاظ بدور «اللاعب الوحيد» في الساحة الشرق
أوسطية، بسبب اضطرار واشنطن للتركز على وقف، أو الحد من نزيف جرحها
العراقي المفتوح.
ويسجل
المحللون أن حكومة التطرف الإسرائيلية ظلت بالفعل وعلى مدى الأشهر
الماضية، اللاعب الأبرز، وربما الوحيد في المنطقة، مستفردة
بالفلسطينيين الذين تدفعهم ظروفهم الصعبة لتقديم المزيد من
التنازلات، ومنفذة العديد من الخطوات ذات البعد الاستراتيجي، وذلك في
إطار الخطة الإسرائيلية الرامية إلى منع قيام دولة فلسطينية مستقلة،
والاحتفاظ بالقدس عاصمة موحدة لدولة "إسرائيل"، وإحالة المزيد من
تراب القضايا الجانبية على موضوع حق العودة حتى يتحول موته البطيء
إلى مسألة عادية تضاف إلى مسائل عديدة أخرى مماثلة.
وهكذا
اعتبرت حكومة شارون أنها غير معنية بالهدنة التي توصلت إليها حكومة
محمود عباس «أبو مازن» مع فصائل المقاومة الفلسطينية، برغم أن ذلك
أدى إلى وقف الهجمات على الأهداف الإسرائيلية كلياً، وفي حين كان أبو
مازن يحاول تعزيز هذه الهدنة المؤقتة وتوسيع إطارها، فلسطينياً
وعربياً، حتى تتحول إلى هدنة دائمة، كانت الحكومة الإسرائيلية تصعد
استفزازاتها ضد الفلسطينيين، فتقاتل العديد من النشطاء والكوادر
وتعتقل العشرات، وتنفذ سلسلة من الاجتياحات والضربات الانتقائية،
وتواصل الاستيلاء على المزيد من أراضي الضفة الغربية المحتلة عبر
النشاط الاستيطاني الذي ترصد له مخصصات مالية ضخمة.
ومن الملاحظ
أن شارون لم يكترث كثيراً بالملاحظات التي أبداها الرئيس جورج بوش
حول الجدار الأمني الذي يشكل «مشكلة حقيقية» بحسب وصفه، ويرى بعض
المراقبين أن شارون يحاول استخدام الجدار كورقة ضغط أو مساومة للحصول
على تنازلات فلسطينية في مسائل جوهرية، منها على سبيل المثال مسألة
إسقاط حق العودة، ونزع سلاح منظمات المقاومة، والسكوت عن عمليات
تهويد القدس التي تجري بوتيرة متسارعة، فرئيس الحكومة الإسرائيلية
يدرك مثله مثل أي طرف آخر معني مباشرة بما يحدث في هذه البقعة
المتفجرة من العالم.
إن إدارة
الرئيس بوش لا تريد في الأساس، وهي غير قادرة الآن، على تقديم
الموضوع الفلسطيني على انشغالاتها العراقية الملحة، وحتماً في حال
افتراض صدق الرئيس الأميركي في حديثه عن قيام «الدولة الفلسطينية
المستقلة القابلة للحياة» وهو ما يكرره المبعوث الأميركي إلى الشرق
الأوسط ويليام بيرنز عندما يؤكد أن «إقامة الدولة الفلسطينية يمثل
أهم الطرق وأقصرها للحفاظ على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط».
فإن رهاناته
المتراجعة في العراق وحاجته إلى دعم اللوبي اليهودي في الولايات
المتحدة في معركة تجديد ولايته الرئاسية، لا يسمحان له بممارسة أي
ضغط على "إسرائيل" تجنباً لمصير مشابه لمصير والده في مواجهته
الخاسرة مع الرئيس السابق بيل كلينتون عام 1992، ومن الطبيعي أن تكون
محصلة كل ذلك مزيداً من الانفلات الإسرائيلي، ومن الخطوات المتعلقة
بفرض الأمر الواقع في المناطق الفلسطينية المحتلة.
التحرش
بحزب الله
ويرى
المحللون أن التحرش الإسرائيلي بحزب الله، من خلال العملية التي
استهدفت أحد كوادره في ضاحية بيروت الجنوبية، تعبير آخر عن ممارسة
دور «اللاعب الوحيد» فوق ساحة الشرق الأوسط، فضلاً عن أن هذا التحرش
العدواني يشكل إنذاراً لحزب الله بالتوقف عن دعم المقاومة الفلسطينية
- وهو الذي تصرف دائماً ويتصرف الآن باعتباره جزءاً فاعلاً من هذه
المقاومة - فهو يطال أطرافاً رئيسية أخرى في هذا الصراع في مقدمتها
سوريا وإيران.
ويتضح من
الهجمات التي شنها مقاتلو حزب الله ضد المواقع الإسرائيلية في «مزارع
شبعا» وشملت آثارها بعض المستعمرات الإسرائيلية القريبة من الحدود
اللبنانية، أن الاستنتاج الذي توصلت إليه قيادة الحزب هو أن سكوتها
عن التحرش الإسرائيلي سيشجع حكومة شارون على ارتكاب المزيد من أعمال
القتل على الساحة اللبنانية باستخدام وسائل التفجير المعروفة.
وهو أمر
متاح مهما بلغت دقة إجراءات الحماية الأمنية، وفي هذه الحالة سيكون
في وسع الحكومة الإسرائيلية امتلاك وسيلة ضغط أمنية مشابهة لتلك التي
تستخدمها ضد منظمات المقاومة الفلسطينية، ولو بدرجة أقل نظراً
لاختلاف الظروف حيث يفرض الاحتلال الإسرائيلي وجوده في الضفة الغربية
وقطاع غزة ويستطيع الوصول إلى أي مكان يريده، ومن الطبيعي، حيال ذلك.
أن يكون رد حزب الله آخذ بعين الاعتبار تزايد الرغبة الأميركية في
عدم حدوث تصعيد عسكري في المنطقة يفاقم من موقف إدارة بوش في العراق
ويؤثر على خططها الخاصة بحملة الانتخابات الرئاسية التي تبدأ في
نوفمبر المقبل، الأمر الذي يمنع حكومة شارون من استخدام القدرات
العسكرية التي تمتلكها "إسرائيل" على النحو الذي تطمح إليه، ومن
الواضح أن الإدارة الأميركية أضحت تدرك أكثر فأكثر، مدى حاجة
الولايات المتحدة إلى بعض الهدوء والاستقرار في المنطقة للتمكن من
تجاوز هذه المرحلة الصعبة بأقل الخسائر البشرية، بعدما زالت في
المنطقة أوهام «الحرب النظيفة» التي غزت العراق على أساسها.
تكتيك فلسطيني مماثل
ويبدو أن
منظمات المقاومة الفلسطينية استفادت من التجربة الأخيرة لحزب الله
لترد بالأسلوب ذاته على عمليات الاستفزاز الإسرائيلية، أي أن يكون
الرد محدوداً، مع التمسك بالهدنة المعلنة، تجنباً لإحراج الحكومة
الفلسطينية من جهة، ولتأكيد مبدأ الدفاع عن النفس الذي يشكل القاعدة
الأساسية لعمليات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، من
جهة أخرى.
ومن الواضح
أن الفصائل الفلسطينية أثبتت أنها ليست الطرف الذي يفتعل التصعيد في
الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتماً مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي،
كما كشفت أن "إسرائيل" هي التي تمارس الإرهاب ضد الشعب الفلسطيني،
وليس العكس، وقد أدركت هذه الفصائل حاجة الإدارة الأميركية إلى تهدئة
الموقف، للاعتبارات نفسها المتعلقة بالمواجهة على الحدود اللبنانية.
وقدرت أنه
سيكون من المتاح لها أن تلعب هذه الورقة أيضاً، مع تحميل الحكومة
الإسرائيلية مسئولية إعادة تفجير الموقف الأمني في حال تجاوز الردود
المحتملة حدود العمليات المحدودة واستئناف المواجهة الشاملة، وإذا
كانت الإدارة الأميركية مهتمة فعلاً بالوصول إلى تسوية عادلة للصراع
العربي - الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية، كما تعلن دائماً فينبغي
أن تعبر عن هذا الاهتمام، بالضغط على حكومة شارون لتنفيذ التزاماتها
في خريطة الطريق، على الأقل، بدلاً من أن يبقى الطرف الفلسطيني وحده
هدف الضغط.
إن الإعلان
عن احتمال انسحاب "إسرائيل" من عدة مدن فلسطينية أخرى لا يغير من
الأمر شيئاً، فضلاً عن أن الحكومة الإسرائيلية قد تعيد احتلال هده
المدن في أي وقت، كما تفعل حيال موضوع إطلاق بعض السجناء ثم إعادة
اعتقال سواهم، فإن هدفها الحقيقي من وراء هذه الخطوة - إذا تمت - هو
دفع الحكومة الفلسطينية إلى التصادم مع منظمات المقاومة إذا ما ردت
هذه الأخيرة على عمليات الاغتيال والاجتياح الإسرائيلية التي
تستهدفها.
وفي مقابل
المخاطر التي تطرحها احتمالات التصعيد الإسرائيلي، تحت غطاء ما يسمى
«مكافحة الإرهاب» فإن أفضل ما يفعله الفلسطينيون هو التمسك بوحدتهم
الوطنية، كما كان حال اللبنانيين في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي،
وبطبيعة الحال فإن الفلسطينيين، وكذلك السوريين واللبنانيين لن
يكونوا أكثر حرصاً على المصلحة الأميركية من "إسرائيل"، حيث ينحصر
جهد إدارة بوش حالياً في تقليص موجة العداء المنطلقة ضدها، وفي السعي
للخروج من المستنقع العراقي دون اضطرار جنودها ورعاياها إلى التعليق
بطائرات الهليكوبتر المنطلقة على عجل، كما حدث في ساعات فيتنام
الأخيرة. إلا إذا اختار شارون أن يواصل اللعب منفرداً وتحمل النتائج
المحتملة وحده!