البادئ الأظلم في دوامة الدم!
خيري منصور
صحيفة
الخليج الإماراتية 3/12/2003
ما قاله
"عامي يعالون" في "يديعوت أحرونوت" ونقلته على الفور "النيوزويك" عن
سياسة شارون التي ورطت اليهود بالمزيد من الهلع بعد أن وعدتهم بالأمن
لا يدمغ سياسة الليكود بهذه الشهادة السلبية فقط، بل يفتضح حالة
الإرباك والخلخلة التي تعتري النسيج الصهيوني.
ف "يعالون"
واحد من أربعة قادوا جهاز الشين بيت في "الدولة" العبرية، وما قاله
الثلاثة الآخرون لا يقل بأي حال عما قاله "يعالون"، وهو باختصار إن
الأشهر التسعة التي سبقت الانتفاضة قتل فيها "إسرائيلي" واحد فقط،
وذلك ليس بفضل جهاز الشين بيت، بقدر ما هو بفضل الأمل الذي كان
يتنامى لدى الشعب الفلسطيني في الوصول إلى حل يضمن لهم حقوقهم!
والأمل الذي
ساد بين الفلسطينيين قبيل الانتفاضة لم تكن "الدولة" العبرية هي التي
زرعته، وسقته، بقدر ما كان هذا الأمل يعود إلى مناخ دولي مشبع
بالرطوبة السياسية بعد جفاف دام زمناً، وأوشك أن يحول الأخضر كله، أو
ما تبقى منه إلى هشيم، لكن الفلسطينيين الذين أدركوا أن كل ما صدر عن
الحكومات المتعاقبة في تل أبيب هو مجرد جرعات تخدير المقصود بها
إضاعة المزيد من الوقت، وتكريس سياسة الاستيطان الذي أخذ يتمدد
أفقياً وعمودياً، ويعزل مدن وقرى فلسطين كالثآليل لتموت خارج الدورة
الدموية للبلاد، خصوصاً من خلال شبكة المواصلات التي عزلت الدولة
العبرية بها الضفة والقطاع، ورهنت الحياة فيهما لإرادتها وقرارها
وحواجزها المبثوثة في كل المواقع.
وقد لا يكون
العالم بحاجة إلى شهادات من قادة جهاز الشين بيت أو حتى الموساد
ليتأكد من أن سياسة شارون الدموية قد خذلت اليهود الذين وعدتهم
بالأمن المطلق، والرفاه الذي يحول دولة الاستيطان إلى يوتوبيا جديدة
على حافة القرن الحادي والعشرين!
لكن شهادة
هؤلاء تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لليهود أنفسهم، الذين كانوا بحاجة
إلى من يوقظهم على استراتيجية الإبادة المزدوجة التي أخرجها الليكود
من الإدراج القديمة، وأخذ يترجمها حرفيا خلال الأعوام الأخيرة.
إن أول ما
يمكن استنتاجه من شهادات قادة جهاز الشين بيت هو أن المزاج السياسي
السائد في "الدولة" العبرية ليس بالتجانس الذي يزعمه الإعلام
الصهيوني ويحاول من خلاله إيهام العالم بأن اليهود جميعهم أشبه بكتلة
متماسكة إزاء عدو عربي يهددهم بالفناء، وذلك انسجاماً مع دعاوى
مبتكرة بشرت بها دوائر الإعلام الصهيوني، والمتصهين، وهنا سيعود
السؤال القديم، وقد أصبح أكثر إلحاحاً وحدة، وهو: كيف يمكن لجنرال
أعمى وهائج أن يفوز في الانتخابات إذا كان له كل هؤلاء المناهضين
لسياسته؟
وبمعنى آخر
كيف يمكن لشخص واحد، حتى لو كان جنرالاً ذا سيرة دموية كشارون أن
يتحول إلى ظاهرة، وبالتالي إلى مزاج سياسي مبثوث في دولة؟
لقد استبقنا
إلى الإجابة عن هذا السؤال يهود، وغير يهود ممن يرصدون الحراك
السياسي في الدولة العبرية، وكان يوري افنيري قد شكك في جدية وجدوى
ديمقراطية تتيح لشارون أن يطفو على سطح حياة سياسية، وأضاف أن
ديمقراطية الدولة العبرية تحتاج إلى معجم خاص بها، لأنها من طراز غير
مسبوق على صعيد التلفيق، وإعادة إنتاج العنصرية. لكن المراقب لهذا
المشهد السياسي يجد نفسه في حيرة، لأن المقدمات لا تفضي منطقياً إلى
الحصيلة المفروضة على اليهود كلهم، مثلما هي مفروضة بدرجة أخرى
ومقياس آخر على العالم بأسره! وأحيانا يضطر المراقب إلى الشك بأن
الأعداد الغفيرة من اليهود التي تحتفل وتتظاهر في ذكرى اغتيال اسحق
رابين، تتحول بقدرة قادر إلى احتياطي ديمغرافي واستراتيجي وعسكري
لحزب الليكود، ولشارون بالذات، لأن الحياة السياسية في الدولة
العبرية مليئة بالأحاجي فثمة من يقول إنها انتهت إلى بطالة حزبية،
وثمة من يقول إنها مجرد تبادل أدوار في سيناريو واحد متعدد المخرجين.
فإذا كان
شارون قد ألحق كل هذا الأذى باليهود، وورطهم بمستقبل غير مأمون بل هو
أشبه بالكمين التاريخي، فما الذي يطيل عمره السياسي، ويجدد صلاحيته،
بل يحوله إلى "ملك" في غير زمانه وغير مكانه، ووفق تقاويم توراتية
أعيد إنتاجها كي تلبي تطلعات استراتيجية الاستيطان والغزو الدائم؟
إن هذا الوضع
الذي تتعدد مداخل قراءاته وتتعدد مفاتيح الدخول إلى أروقته المظلمة
والأشبه ببيت جحا لفرط التداخل والتمويه والتعقيد، تنفرد به الدولة
العبرية التي استطاعت أن تزاوج بين المتناقضات بفضل القوة، سواء كانت
ذاتية، أو مأخوذة من الحاضنة الأمريكية الرؤوم التي قررت أن تتبنى
أخطاء الصهيونية، ولا تمانع في أن تنسبها إلى نفسها، ما دامت فلسفة
الاستيطان، وإبادة السكان الأصليين مشتركة بين الحاضنة الكبرى وما
فرخته في النصف الثاني من القرن العشرين، وهناك حالات نادرة تجمع
فيها التقارير الطبية على الموت السريري لدولة أو كيان، لكن المريض
يملك من الحيلة والمهارة والقدرة على الكذب وتلفيق الوقائع بحيث يقف
على السرير شاهراً السكين حتى في وجوه الأطباء أنفسهم!
|