فلسطين - "إسرائيل": مؤشرات فك الارتباط
بقلم: محمد أبو الفضل
صحيفة
الأهرام 31/12/2003
يبدو أن
التطورات الراهنة في الأراضي المحتلة تعجل باتجاه شارون نحو تطبيق
خطته التي أعلنها منذ أسبوعين بشأن فك الارتباط مع الفلسطينيين.
فقد تصاعدت وتيرة العمليات المسلحة مما يجعله مقتنعاً بتنفيذ الفصل
الذي هدد به بعد ستة أشهر. وكانت المقاومة الفلسطينية نجحت في
اختراق الحواجز الأمنية واستئناف عملياتها الموجعة لحكومة شارون
عندما قتلت ضابطين إسرائيليين قرب دير البلح. كما أدت العملية التي
قامت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في تل أبيب لمقتل أربعة
إسرائيليين وإصابة خمسة عشر آخرين. في أول عملية منذ أكتوبر
الماضي. وذلك ردا على عمليات الاحتلال الوحشية ضد غالبية المدن
والمخيمات والقرى الفلسطينية.
وكانت عملية
اغتيال ستة فلسطينيين بغزة، من بينهم ثلاثة من حركة الجهاد دليلاً
على استمرار استهداف كوادر المقاومة. وهو ما اعتبرته الأجنحة
المسلحة للفصائل الفلسطينية يضع حداً لما يعرف بـ تحييد المدنيين
الإسرائيليين. الأمر الذي يعكس في حصيلته أجواء سلبية على أي
محاولات لاستئناف المفاوضات، بموجب الخيارات المطروحة من المبادرات
الرسمية وغير الرسمية.
وهناك عدد من
المؤشرات التي تعزز من مضي شارون في تنفيذ خطة الفصل. أبرزها،
قرار شاؤول موفاز وزير الدفاع فرض الإغلاق الشامل علي الضفة الغربية
وقطاع غزة. وإلغاء التسهيلات التي زعمت "إسرائيل" أنها منحتها
للفلسطينيين أخيراً. وتعيين جيولا ايلاند رئيس دائرة التخطيط في
رئاسة الأركان كمسئول عن مهمة تطبيق فك الارتباط. فضلا عن قرار
شارون إخلاء أربع من المستعمرات التي يزعم أنها غير مشروعة أو
عشوائية. وإذا كانت هذه الخطوة تتناقض مع محاولات كثير من مساعديه
لإضفاء الشرعية عليها، إلا أنها تسير في اتجاه مكونات خطة الفصل.
علاوة على توغل الجدار العازل في عمق الأراضي الفلسطينية ليشمل
مستعمرات في الضفة الغربية وبعض ضواحي القدس الشرقية. وفي هذا
السياق ترددت معلومات قوية في "إسرائيل" أن الحكومة وقيادة الجيش
ودائرة التخطيط فيه وافقوا على قرار يقضي بالإسراع في بنائه حتى يصبح
أمراً واقعاً عند تطبيق خطة الفصل. كما أن ذلك ينطوي على فائدة
كبيرة‘ قبل انتهاء محكمة العدل الدولية من مناقشة قانونيته.
وبالتالي تتراجع قيمة أي إدانة أو قرار دولي بوقف البناء فيه.
من هذه
الزاوية تأتي أهمية المظاهرات الشعبية في قلقيلية ضد جدار الفصل
العنصري أخيراً. فلأول مرة يتظاهر الفلسطينيون بكثرة ضده. مع أن
عملية البناء بدأت منذ عدة أشهر وأصبح المشروع على وشك الدخول في
مراحله النهائية. لذلك فاتساع نطاق الاعتراض عليه يمكن أن يفضي إلى
إبطاء البناء فيه، حتى تفصل محكمة العدل في مشروعيته. وترتفع
أهمية هذا المنحي في حالة تزايد أعداد المتعاطفين مع الشعب
الفلسطيني. خاصة من قوى السلام الأجنبية، إذ شارك بعضهم في مظاهرة
قلقيلية التي أصيب فيها مواطن أمريكي وآخر إسرائيلي بجروح عندما أطلق
جنود الاحتلال النار على المتظاهرين. مما أسهم في عودة الانقسام
الظاهر بين اليسار واليمين في الشارع الإسرائيلي. الأمر الذي يقلق
شارون. لاسيما أن هناك قطاعاً كبيراً أضحى يستشعر القلق من تصوراته
وممارساته. فقد أوصى طاقم من كبار قادة الجيش والمخابرات بضرورة
حدوث انعطافة في سياساته حيال الفلسطينيين. وأعلن 13 من مقاتلي
دورية قيادة الأركان رفضهم الخدمة في المناطق المحتلة. على غرار
الرفض السابق لـ27 من الطيارين.
وبرغم ذلك لم
يأخذ شارون هذه الاحتجاجات بصورة جادة. حيث أمعن في تكريس إجراءاته
واستفزازاته للشعب الفلسطيني بالهدم والاغتيال والتقتيل الجماعي.
حتى يستطيع تأكيد صواب خياراته، في بناء الجدار والتعجيل بتطبيق
خطته للفصل. فهذه التوجهات تساعد، مع مناوراته إزاء سوريا، على
دوام الانسداد السياسي الذي يجيد التعامل مع تداعياته. وبالتالي
فإغلاق الأبواب والنوافذ لا يوفر أي مناخ يشجع رئيس الحكومة
الفلسطينية أحمد قريع على الحوار المباشر مع شارون. فتصرفات الأخير
تقود لاستمرار أعمال المقاومة التي لا يستطيع قريع أن يتخذ أية
إجراءات لضبط الموقف، كما يطالبه هو والولايات المتحدة، وبالتالي
فالأوضاع تتجه أكثر من ذي قبل إلى احتمال تنفيذ خطوات "إسرائيل"
الأحادية.
|