الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

قضية تجسس «ايباك»

 

هيلينا كوبان

 

صحيفة الحياة اللندنية 6/9/2004

 

يفضل ستيفن روسن، الذي يرأس منذ وقت طويل «قسم الأبحاث» في جماعة الضغط النافذة «لجنة العلاقات العامة الأميركية - الإسرائيلية (ايباك)، العمل بعيداً عن الأضواء. وأفادت «واشنطن بوست» قبل بضع سنوات أن روسن كتب في مذكرة داخلية: «جماعة الضغط تشبه زهرة ليل. إنها تنتعش في الظلام وتموت في الشمس».

الآن، مع تكشف فضيحة الجاسوس لاري فرانكلين، يسلّط الضوء الساطع لكثير من التغطية الإعلامية غير المرغوب فيها على «ايباك» وعملياتها. وبشكل خاص على روسن، فهو أحد الموظفين في «ايباك» اللذين استجوبهما مكتب التحقيقات الفيديرالي (إف بي آي) بشأن الادعاءات المتعلقة بفرانكلين. كما أفيد في آب (اغسطس) الماضي أن الـ «إف بي آي» فتش مكتب روسن في «ايباك» وأخذ نسخة من محتويات قرص جهاز الكومبيوتر العائد له.

 

وأثيرت تساؤلات كثيرة بشأن فضيحة التجسس التي لا تزال فصولها تتكشف. وأفادت تقارير أن «إف بي آي» تابع تحقيقاً طويلاً في أعمال غير مشروعة محتملة اقترفها روسن وشخص آخر مشتبه به في «ايباك»، واخضعت للمراقبة مأدبة غداء جمعت هذين الرجلين وديبلوماسياً إسرائيلياً، عندما جاء فرانكلين لينضم إلى المأدبة. ويبدو أنها كانت المرة الأولى التي يدخل فيها فرانكلين مرمى نظر «اف بي آي».

 

سمعنا، حتى الآن، ادعاءات بأن فرانكلين ربما «تجسس لمصلحة "إسرائيل"»، او (وهي تهمة أقل شأناً) «تعامل مع وثائق سرية بطريقة غير آمنة». لكننا لم نسمع شيئاً بعد عن طبيعة التحقيق بشأن روسن وزميله.

ويتعلق تساؤل آخر حول القضية بـ«التسريب» يوم 27 آب (أغسطس) إلى وسائل الإعلام حول التحقيق الذي يجريه «إف بي آي» في دور فرانكلين. وجرى تسريب الخبر إلى ليزلي ستال، وهي مقدمة برنامج اخباري في تلفزيون «سي بي إس». وأدى ذلك إلى إحراج فرانكلين، وأعطى إشارة إلى احتمال أن يتهم بجريمة في وقت قريب. لكن ما يفوق ذلك أهمية هو أن التسريب أعطى كل من يستهدفهم تحقيق «إف بي آي» تحذيراً صريحاً بأنهم الآن مشتبه بهم، ومنحهم وقتاً كافياً لإتلاف أي أدلة على التورط في أعمال جرمية، ولاختلاق وتنسيق «روايات تغطية» لما كانوا يقومون به.

لذا لم يكن مثيراً للاستغراب أن يقول مسؤولون في «اف بي آي» إن التسريب عرقل بشكل جدي تحقيقاتهم. ولأن وجود هذا التحقيق كشف للجمهور قبل الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل وليس بعدها، يبدو في حكم المؤكد تقريباً أن ضغوطاً سياسية قوية ستسلّط على «اف بي آي» كي يبدي «حذراً» و«تسامحاً» إلى أقصى ما يمكن في طريقة تعامله مع «ايباك» (وإسرائيل).

 

يثير تورط «ايباك» والحكومة الإسرائيلية في مساعي فرانكلين التجسسية أيضاً السؤال «لماذا يكلفون أنفسهم عناءً؟». فحكومة شارون تملك قدرة ممتازة للوصول بسهولة إلى كل زاوية في عملية صنع القرار الأمني في الولايات المتحدة!

لماذا يكلفون أنفسهم عناء التورط في صفقة تافهة مشبوهة مع شخص في موقع متدني نسبياً في البنتاغون عندما يكون ولفوفيتز وفايث وإليوت أبرامز وغيرهم مستعدين أتم استعداد للتعاون معهم؟

 

حسب فهمي لهذه المسألة فإن ضجيج الاتهامات بشأن تجسس "إسرائيل" في الولايات المتحدة لا يبلغنا ما يفيد بشأن مساعي التجسس الإسرائيلية بقدر ما يشير إلى وجود خلافات جدية داخل إدارة بوش بشأن كيفية التعامل مع إيران.

 (إسرائيل ستواصل دائماً، لا ريب، التجسس إلى أقصى ما يمكن على الجميع، كما يوضح لنا ما كشف أخيراً في نيوزيلندا وكندا وغيرها).

 

وفي ما يتعلق بادارة بوش، ليس سراً أن مسؤولين رفيعي المستوى كثيرين بدأوا يتحدثون علناً، في الفترة التي أعقبت مباشرةً انتصارهم العسكري على جيش صدام حسين في نيسان (ابريل) 2003، عن الحاجة إلى تحقيق «تغيير نظام» على نحو عنيف مماثل في إيران وسورية باعتباره هدفهم المقبل. لكن المزيد والمزيد من الأشخاص في المؤسسة العسكرية الإميركية والبلاد كلها اكتشفوا على امتداد الشهور الـ17 منذ ذلك الحين مدى صعوبة تحقيق ما كانوا يريدونه في العراق، وحده، وكم كانت الكلفة باهظة. وبالفعل، تعاني القوات المسلحة الأميركية جراء الحملة في العراق اجهاداً كبيراً يكاد يدفع بها إلى أزمة، فيما تلحق أيضاً الأذى بفاعلية الولايات المتحدة في القتال ضد «القاعدة».

 

لذا تراجعت كثيراً رغبة الإدارة في شن أي مغامرات عسكرية جديدة ضد إيران أو سورية. ولا تزال هناك فرصة لتنفيذ عملية ضد هدف أو أهداف إيرانية تماثل الغارة الخاطفة التي استهدفت مفاعل «اوزيراك» النووي العراقي، ولربما جرى ذلك قبل الانتخابات في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. أما الانطلاق لاخضاع واحتلال بلدان اخرى في الشرق الأوسط، فكلا. لم يعد هناك من يضغط للقيام بذلك.

 

وقد سعت «ايباك» بالتأكيد إلى إبقاء الضغوط ضد إيران (وسورية). لذا ربما كان روسن وفرانكلين يعملان في هذا الاتجاه.

في غضون ذلك، كان القلق الرئيسي الذي عبّر عنه كثيرون من الإسرائيليين والأميركيين اليهود بشأن ما كشف من معلومات حول قضية فرانكلين لا علاقة له إطلاقاً بإيران، بل يرتبط بالأحرى بخوفهم من احتمال أن تذكّر هذه القضية الجمهور الأميركي بالدور القوي الذي لعبته هذه المجموعة من الشخصيات ذاتها تقريباً في دفع الإدارة إلى شن الحرب على العراق.

 

هذه الحرب تفقد شعبيتها هنا، في الولايات المتحدة، كل يوم. ويبلغ عدد العسكريين الأميركيين الذين قتلوا في العراق حوالي 1000 شخص. ويخشى الإسرائيليون والأميركيون اليهود، وهم أصدقاء أقوياء لإسرائيل، أن تلقى المسؤولية عن الكوارث في العراق على "إسرائيل" وجماعة الضغط القوية التابعة لها في الولايات المتحدة. وهناك، بالطبع، أسباب كثيرة تبرر تحميلهما المسؤولية. لذا فإن الوقت غير مناسب اطلاقاً الآن لتسليط وهج الإعلام على أنشطة «ايباك» وأصدقائها ومن يتمتع برعايتها داخل الإدارة.

 

مضى أكثر من عشرين عاماً على تولي ستيف روسن إدارة قسم «الأبحاث» في «ايباك»، ليصبح خلال هذا المسار أحد البارعين في التحرك وراء الستار الأكثر مهابة في واشنطن. وسيكون شيئاً مثيراً للاهتمام إذا بلغ السخط ضد «ايباك» - في «اف بي آي» وفي أجزاء أخرى من الحكومة - من القوة ما يكفي لإسقاط رجل مثل روسن. لكنني لا اعتقد، مع ذلك، أن هذا سيحدث. ربما كان أقصى ما يمكن أن نتوقعه هو أن تصبح «ايباك» وغيرها من جماعات الضغط المؤيدة لليكود أكثر حذراً بعض الشيء في انشطتها خلال الأشهر القليلة المقبلة.

 

٭ كاتبة بريطانية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط.