قاعدة "إسرائيل" المتغيرة لإدارة الصراع
بقلم: عاطف الغمري
صحيفة
الأهرام 15/10/2003
تشهد المنطقة
تحولاً عملياً في إدارة "إسرائيل" للنزاع العربي الإسرائيلي وأقول
عملياً لأن "إسرائيل" تضع على أرض الواقع، قاعدة كانت قد أفصحت
عنها قبل سنتين، عندما كانت القوات الإسرائيلية قد اقتحمت في عام
2001 أراضي الضفة الغربية، وراحت تضرب بكل ما في ترسانتها
العسكرية من سلاح، وبالطائرات والصواريخ، ووقتها خرج قائد القوات
الجوية الإسرائيلية، يوجه رسالة يقول فيها: إن ما يحدث اليوم
داخل الأراضي الفلسطينية، يتجاوز في مقصده ومعناه الحدود الجغرافية
للمكان.
ثم وقع ما
وقع في الأسبوع الماضي حين أغارت طائرات نفاثة إسرائيلية مقاتلة،
على موقع في قرية عين الصاحب في عمق سوريا علي مسافة 15 كيلو متراً
من دمشق، وقريب من حدود لبنان ليتوالى ترديد نفس الرسالة من داخل
"إسرائيل"، والتي سبق أن أفصحت عنها قبل سنتين، عن تجاوز الحدود
الجغرافية للمكان.
فيعلن شارون
أن "إسرائيل" ستضرب أعداءها في أي مكان وبأي طريقة.
ويقول نائبه
يهود أولمرت إنه لا حدود لما ستستهدفه "إسرائيل" بضرباتها.
ويطلق
الجنرال بيتي جانتسي القائد العسكري الإسرائيلي للجبهة الشمالية
تحذيراً يقول، إن هذه الغارة رسالة من "إسرائيل"، إلى سوريا
ولبنان وإيران، فإذا لم تلتزم هذه الدول فيما تقوم به من أعمال،
فسوف تتحمل النتائج.
لكن ما الذي
دفع إلى هذا التحول، أو الإعلان صراحة عن تطبيق قاعدة تجاوز الحدود
الجغرافية للمواجهة الدائرة بين "إسرائيل" والفلسطينيين، داخل
الأراضي الفلسطينية المحتلة؟
سوف نلاحظ
الآتي:
(1)
أن الحرب
على العراق والتي تقف وراءها أهداف أمريكية تخص الاستراتيجية
العالمية للولايات المتحدة، إلا أنها كانت في جانب منها تحمل هدف
خدمة "إسرائيل"، والاستجابة لمطالب إسرائيلية قديمة، وكانت
التوقعات الصادرة من واشنطن وتل أبيب، تشير إلى استكمال العملية
العسكرية في العراق، إلى ما وراء حدوده الجغرافية، بضربات موجهة
إلى سوريا وإيران، تحت مظلة أو عنوان الحرب على الإرهاب. لكن
طاقة الحركة الذاتية للعمليات العسكرية الأمريكية في العراق، كانت
قد اختلت بسبب المأزق العسكري والسياسي غير المتوقع نتيجة للمقاومة
العراقية للاحتلال، مما جعل طاقة هذه الحركة تعجز عن دفعها خارج
حدودها، وتقيدها في الوقت ذاته موجات الانتقادات داخل واشنطن
لسياسة الرئيس بوش في العراق.
وأراد شارون
أن ينفذ عملية تحرش بسوريا، يعوض بها ما كان يتوقع حدوثه كامتداد
لديناميكية الحرب في العراق، مستغلاً ضعف قدرة الرئيس الأمريكي في
اتخاذ أي موقف يغضب الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، والتي
يعتمد على مساندتها في انتخابات الرئاسة لعام 2004. وحريصاً في نفس
الوقت على عدم الخروج من تحت مظلة ما هو معلن من الولايات المتحدة عن
أهداف حربها على الإرهاب، والتي كانت قد ألمحت إلى أن سوريا ولبنان
قد تقع تحت هذا التصنيف.
والملاحظ أن
تصريحات المتحدثين الإسرائيليين حاولت في اليوم التالي للغارة على
سوريا، أن تضع هذه الدول معاً في دائرة واحدة، فالجنرال جانتسي
وجه تحذيراً مباشر لسوريا ولبنان وإيران معاً.
والجيش
الإسرائيلي قدم صياغة تربط بينها وبين الهجوم الإرهابي علي نيويورك
في الحادي عشر من سبتمبر 2001، فذكر أن المعسكر الذي شنت الطائرات
الإسرائيلية الغارة عليه في سوريا، يستخدم في التعلم على قيادة
الطائرات، والتدريب على التخريب، وحرب العصابات (إشارة إلى
المقاومة للاحتلال في العراق) وأن إيران تساند هذه التدريبات.
وأن الهدف من الغارة ليس تدمير المعسكر، لكنه توصيل رسالة.
(2)
أن شارون
يعاني من أزمة داخلية انعكست على تدهور الاقتصاد، وفشل في إخماد
مقاومة الفلسطينيين، ولكي يفلت من المأزق، فقد اختار الهروب إلى
الأمام، بمهاجمة قاعدة قديمة كانت تابعة للجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين القيادة العامة.
وقالت عنها
وكالة آسوشيتد برس الأمريكية في تقرير لها قبل أيام، إنها صارت
مكاناً مهجوراً منذ سنوات، ولكي يعوض - في نظر الرأي العام
الإسرائيلي - فشله في مواجهة الفلسطينيين، بزعم أنه يلاحقهم خارج
حدود أرضهم.
ومنذ بداية
تولي شارون الحكم عام 2000، يمضي في طريق يقوم على إرغام
الفلسطينيين على أن يقبلوا، تحت ضربات السلاح والمواجهة في
الشارع، ما لم يقبلوه على مائدة المفاوضات. ولما كان الحديث
يتردد من وقت لآخر - وهو ما تحدث عنه الرئيس بوش في إعلانه لخريطة
الطريق. عن الوصول إلى سلام شامل على كل المسارات، فإنه يهمه أن
تتسع حدود رسالته إلى الفلسطينيين، لتصل أيضاً إلى السوريين،
بالعودة إلى مفهوم القوة قبل التفاوض.
(3)
استعادة
مفعول سلاح الردع النفسي، الذي كان قد بطل فعله بعد هزيمة الجيش
الإسرائيلي في حرب 1973، واستكملت الإجهاز عليه الانتفاضة الأولى
عام 1978، ومقاومة حزب الله في الثمانينيات، وهو سلاح تخويف
العرب، وزرع الإحساس بالعجز والانكسار فيهم. هذا السلاح كان قد
تحدث عنه قادة "إسرائيل" في الماضي، يذكر منهم وصف موشي ديان
المتكرر، لما كان يصفه بذراع "إسرائيل" الطويلة التي تطول العرب في
أي مكان.. وما كان قد شرحه شيمون بيريز في السبعينيات في معرض
حديثه عن السلاح النووي الإسرائيلي، وقوله إن هذا السلاح قد لا
يستخدم بالضرورة، لكنه يؤدي مفعول سلاح ردع نفسي للعرب، يجعلهم
يفكرون دائماً في امتلاك "إسرائيل" له، ويخافون من الإقدام على عمل
ضدها.
وتفكير شارون
في استعادة مفعول سلاح الردع النفسي، مرتبط في ذهنه، بظروف الحل
الدبلوماسي، لكي يفرض في هذا المناخ على الجانب الفلسطيني، شكل
الحل الذي يريده هو. بالإضافة إلى تحقيق إضافة مادية إلى ما كان قد
بدأه في هذا الاتجاه، حين أعلن حرب التدمير الشاملة على المجتمع
الفلسطيني، وما كانت حرب العراق قد واصلته، تحقيقاً لنفس هدف
الترويع النفسي للمنطقة كلها ضمن بقية الأهداف الأخرى للحرب على
العراق.
والمثير
للاهتمام أن الرئيس الأمريكي بوش امتنع عن انتقاد غارة "إسرائيل" على
سوريا، بل إنه قال إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها. ويجب
ألا تشعر "إسرائيل" بأنها تواجه عراقيل تحد من دفاعها عن نفسها،
حتى أن مساعدي الرئيس بوش قالوا أن "إسرائيل" لم تبلغ الولايات
المتحدة بالغارة إلا بعد وقوعها بساعات، بينما المعلومات الصادرة
عن مصادر أمريكية تقول إن للولايات المتحدة وجوداً عسكرياً في
العراق، وأجهزة مخابرات، تراقب عن كثب وطوال 24 ساعة في
اليوم، المجال الجوي في المنطقة، بسبب الظروف المحيطة بالاحتلال
العسكري في العراق، وأن الولايات المتحدة عرفت بالغارة من قبل أن
تخطرها بها "إسرائيل".
إن
استراتيجية الرئيس بوش في الشرق الأوسط منذ وصوله للبيت الأبيض في
يناير 2001، بدأت برفع يد أمريكا عن المواجهة بين الإسرائيليين
والفلسطينيين، وما رافقها عملياً من إطلاق يد "إسرائيل"، دون
تقييدها، وقبول تفسير "إسرائيل" لعمليات الاغتيال، والقتل،
وهدم البيوت، وتجريف الزراعات، ونزع الأشجار، وتدمير بنية
المجتمع، بأنها دفاع عن النفس، غافلة عن أن من يقوم بذلك قوة
احتلال أجنبي لأراضي الغير بالقوة، وأن مقاومتهم للاحتلال حق
قانوني وأخلاقي مشروع. وحين طبقت الولايات المتحدة بعد أحداث
الحادي عشر من سبتمبر 2001، سياسة الحرب على الإرهاب، فإنها أخذت
بالمواصفات الإسرائيلية للإرهاب، فأخرجت منها الإرهاب
الإسرائيلي، وأدخلت فيه منظمات للمقاومة الفلسطينية، ووسعت
دائرته لتضيف إليه ما تريد إضافته من دول، كان منها سوريا،
بالقول أن بها مصادر تهديد متصلة بالأعمال الإرهابية.
ويكون هذا
طريقاً إلى التطبيق العملي للقاعدة التي أعلنت منذ سنتين بأن ما يجري
ضد الفلسطينيين يتجاوز في مقصده ومعناه، الحدود الجغرافية
للمكان، ولنشهد الآن حركة القاعدة الجديدة لإدارة الصراع،
بعمليات عسكرية عدوانية عابرة للحدود.
وهي عمليات
تضيف شحنات من التوتر الإقليمي، يعزز من خطة خلخلة العالم
العربي، وخلق موجات من الفوضى الإقليمية، كان التمهيد لها قد بدأ
بحرب التدمير للمجتمع الفلسطيني، ثم كانت استراتيجيتها الكبرى
بالحرب على العراق - {وحيث كان للحرب أهداف أبعد من العراق
جغرافيا}- وحتى يتاح إعادة رسم الخريطة الإقليمية للمنطقة، ترتبط
بها تسوية للنزاع العربي الإسرائيلي، مدفوعة بمنطق القوة،
والنتائج العسكرية للحرب العراق، وليكون لإسرائيل في ترتيبات أوضاع
هذه الخريطة، وضع محوري سياسياً، وأمنياً، واقتصادياً.. أو
هكذا تصوروا هم!.
إن وجود
أمريكا في العراق كسلطة حاكمة، متاخمة لحدود خمس دول منها سوريا
وإيران، هو وضع يعزز من أطماع شارون، ويعطي للغارة على سوريا
أبعاداً أشد خطورة من الغارة في حد ذاتها، فإسرائيل تضع موضع
التطبيق قاعدة جديدة في مواجهة الأطراف التي كان يفترض أن تدخل معها
في سلام، بناء على مرجعيات تقررت في مدريد 1991، ثم في أوسلو في
عامي 93 و1995، والتي ضمنتها حكومتا بوش الأب، وكلينتون من
بعده، وجاءت حكومة شارون رافضة لهذه المرجعيات، وتريد استبدالها
بقواعد جديدة، تفرضها على هذه الأطراف قسراً وكرهاً ومن منطلق
التخويف والردع النفسي، وإصابة الإرادة العربية بالانكسار، فهل
لدي العرب تصور أو قاعدة بديلة لإدارة الصراع، وفق هذا التحول؟.
هل لديهم قاعدة سياسية مضادة للاعتداءات عابرة الحدود، أو ما وصفته
"إسرائيل" بأعمال تحمل رسالة تتجاوز بها الحدود الجغرافية؟.. وبعد
أن قال شارون ونائبه إن "إسرائيل" ستضرب في أي مكان وبأي طريقة،..
ولا حدود لما ستستهدفه بضرباتها؟.
إن "إسرائيل"
تغير قواعد إدارة الصراع، وهي تستغل إلى أقصى حد، ما يطرأ من
تحولات في المنطقة، وتضيفها إلى رصيدها في كفة ميزان الصراع.
وحسب قواعد عمل ميزان القوى، فإن ما يضيفه الطرف المتحرك إلى
رصيده، إنما هو بالضرورة سحب من رصيد الطرف الساكن، مادام لا
يملك استراتيجية لإدارة الصراع تاركاً للطرف الأول الانفراد
بالساحة.