"إسرائيل" في قلب الحـرب
بقلم : فهمي هويدي
صحيفة
الأهرام 1/4/2003
شاء ربك أن
تتسرب معلومات الدور الإسرائيلي الكبير في الحرب الراهنة، بينما
يجزم مسئولو الإدارة الأمريكية بأن ذلك الدور لا وجود له. وإذ لا
يفاجئنا النفي الأمريكي، فإن المفاجأة الحقيقية تجسدها التفاصيل
المذهلة التي عرفت عن حجم ومدى الدور الإسرائيلي، الأمر الذي يثير
ألف علامة استفهام حول جوانبه الأخرى المسكوت عليها، التي لا تزال
في طي الكتمان.
(1)
ملف مساهمة
"إسرائيل" ودورها في إشعال نار الحرب مفتوح في وسائل الإعلام
الإسرائيلية، ومن المعلومات التي ترددت على شاشات التليفزيون أن
"إسرائيل" لعبت دوراً أساسياً في دفع الإدارة الأمريكية إلى شن الحرب
على العراق وتحديد أهدافها. وقد جرت الإشارة إلى هذه المعلومة عدة
مرات، من خلال ما قدمته مراسلة القناة الأولى في التليفزيون (كيرن
نويبخ)، و(أمنون أبراموفيتش) كبير المعلقين بالقناة. كما رددها
مراسل القناة الثانية (عودي سيجل). والثلاثة أجمعوا في روايات
متقاربة على أن مشروع الحرب من وضع ثلاثة من غلاة اليهود الأمريكيين
هم: (ريتشارد بيرل) كبير مستشاري وزارة الدفاع (استقال من منصبه
أخيراً لأسباب مالية)، ونائبا وزير الدفاع (بول وولفوفيتز)
و(دوجلاس فايت). فهم الذين صاغوا أهداف الحرب، وقاموا بالدور
الكبير في حث الإدارة الأمريكية على شنها. وبيرل وفايت محسوبان على
خط الليكود ويعملان لحسابه، أما السيد وولفوفيتز فهو يقف إلى يمين
الليكود، حتى أن واحداً ممن يسمون حمائم في الليكود - ميخائيل
ايتان - انتقده ذات مرة، واتهمه بأنه يحرج نواب الحزب بدفعهم إلى
تبني مواقف غير معقولة إزاء الفلسطينيين!
أجمع مراسلو
ومعلقو القناتين التليفزيونيتين في "إسرائيل" على أن اليهود
الأمريكيين الثلاثة عكفوا بعد شهر من تفجير مبني مركز التجارة
العالمي في نيويورك على الاجتماع بكل من (أفرايم هلايفي) الذي كان
وقتذاك رئيساً للموساد ثم تولى لاحقاً منصب مدير مجلس الأمن القومي
الإسرائيلي. وشارك في تلك الاجتماعات رئيس شعبة الاستخبارات
العسكرية الإسرائيلية (عاموس مالكا) وخلفه (اهارون زئيفي فركش)،
إلى جانب رئيسي قسم الأبحاث في كل من الموساد وجهاز الاستخبارات
العسكرية بـ"إسرائيل".. وكان هدف الاجتماعات هو صياغة أهداف الحرب
الميدانية والاستراتيجية، وقد اتفق الجانبان على تشكيل لجنة تنسيق
عسكرية مشتركة تقوم "إسرائيل" خلالها بتقديم كل ما يتطلبه الجهد
الحربي الأمريكي وقت الحاجة.
بالتوازي مع
ذلك، شكلت لجنة أخرى للتنسيق السياسي، يقف على رأسها من الجانب
الأمريكي بشكل خاص المستشارة لشئون الأمن القومي (كونداليزا رايس)
وتضم أعضاء من فريقها في مجلس الأمن القومي، ومن الجانب الإسرائيلي
(دوف فايسغلاس) مدير مكتب شارون وبعض كبار موظفي وزارة الخارجية
الإسرائيلية، وقد تعاملت هذه اللجنة بالذات في خلق الظروف السياسية
المساعدة على الحرب، وكان على رأسها خطة خريطة الطريق(!!)
من الملاحظات
المهمة في هذا الصدد أن اللجنة العسكرية المشكلة ضمتا جنرالات في
هيئة أركان الجيش الإسرائيلي إلى جانب هيئة أركان الجيش الأمريكي،
وكان ضمن الأخيرين الجنرال (تومي فرانكس) قائد المنطقة الوسطي في
الجيش الأمريكي، الذي أنيطت به مهمة قيادة الحرب على العراق.
(2)
إليك طائفة
أخرى من معلومات التواطؤ الإسرائيلي في الحرب:
* تبني
الأمريكيون خطة إسرائيلية لاغتيال الرئيس صدام حسين أطلق عليها اسم
تسئيلم. هذا ما ذكرته عدة مرات قناتا التليفزيون الإسرائيلي الأولى
والثانية، إضافة إلى شبكة الإذاعة العامة المعروفة بـ ريشيت بيت.
وهذه الخطة كان قد وضعها الإسرائيليون في صيف عام 91، لتصفية
حسابهم مع الرئيس العراقي الذي كان أول من تجرأ وأطلق الصواريخ على
"إسرائيل" إبان حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت). وقد أشرف
عليها الجنرال أيهود باراك، الذي كان وقتذاك رئيساً لأركان الجيش
الإسرائيلي. وتقرر أن تقوم بها وحدة سييرت متكال - أي سرية الأركان
- وهي أكثر الوحدات نخبوية في الجيش الإسرائيلي. وقامت عناصر تلك
الوحدة بالتدريب على تنفيذ الخطة في منطقة تسمي تسئيليم بيت. تقع
على بعد 35 كيلو متراً إلى الجنوب الشرقي من مدينة بئر سبع في
الجنوب، وفي أثناء التدريب وقع خطأ فني أطلقت بمقتضاه إحدى القذائف
التي قتلت خمسة جنود على الفور، فصدر قرار رئيس الوزراء آنذاك -
إسحاق شامير - بإلغاء المخطط.
حسب معلومات
وسائل الإعلام الإسرائيلية فإن الأمريكيين تبنوا الخطة، بعد إدخال
عدة تعديلات عليها في ضوء ما استجد من معلومات. وقد تدرب أفراد من
عناصر الوحدات الخاصة الأمريكية على تنفيذ الخطة في صحراء النقب وفي
نفس منطقة المناورات السابقة. وقد استعانوا بالخطة لاقتناعهم بأن
الحرب على العراق لن يكتب لها النجاح ما لم يتم التخلص من الرئيس
العراقي.
* نقل
(بارون ديكل) مراسل القناة الأولى في التليفزيون الإسرائيلي بعض ما
ورد في اجتماع الرئيس بوش مع رئيس المنظمات اليهودية في الولايات
المتحدة، (مورتيمور تسوكرمان). وهو الاجتماع الذي عقد في الثامن
من شهر يناير الماضي، فقد طلب تسوكرمان من الرئيس الأمريكي اتخاذ
موقف من النظام السعودي، بعد أن قدم إليه تقارير استخبارية
إسرائيلية تشير إلى أن المساعدات التي تقدمها السعودية للفلسطينيين
في أثناء الانتفاضة تساعدهم على مواصلة القيام بالعمليات
الإرهابية.
* كشف
برنامج بوبوليتيكا الذي بثته القناة الإسرائيلية الأولى فيل 18/3
الماضي عن أن نائب الرئيس الأمريكي (ديك تشيني) عقد خلال الشهرين
السابقين للحرب لقاءات مع 70 خبيراً إسرائيلياً في مختلف
المجالات، ناقشهم خلالها في كيفية حسم المواجهة مع العراق. وأشار
العديد من المعلقين الصهاينة إلى أن تشيني مبهور بمهنية الخبراء
الصهاينة في تقديم المعلومات. وفي لقاء أجرته مقدمة البرنامج دان
مرجليت مع البروفيسور عماتسيا برعام (يهودي من أصل عراقي)، وهو
مؤرخ مختص بالتاريخ العراقي، قال الرجل إنه اجتمع لمدة ثلاث ساعات
مع تشيني في ملجأ بالبيت الأبيض، أجاب خلالها على قائمة طويلة من
الأسئلة التي طرحها عليه، لكنه رفض التطرق إلى طبيعة الأسئلة أو
إجاباته عليها.
(3)
الحماس
الشديد للحرب والحرص على إشعال نارها والانتصار فيها له دوافع عدة
عبر عنها أركان المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة على النحو التالي:
- في الشهر
الماضي ألقي (شاءول موفاز) وزير الدفاع محاضرة في مركز حرتسلي متعدد
الاتجاه - وهو أعرق وأهم مركز بالدولة العبرية - قال فيه: إن النصر
في الحرب يعني إخراج العراق من دائرة العداء لـ"إسرائيل"، والضغط
على سوريا لإخراج المنظمات الفلسطينية من دمشق ولوقف حمايتها لحزب
الله في لبنان، الأمر الذي يؤدي إلى تخفيف مصادر رفد المقاومة
الفلسطينية في الضفة والقطاع.
- (عوزي
عراد) رئيس وحدة التحليل بالمركز سابق الذكر (كان مديراً للأبحاث
في الموساد والمستشار السياسي لرئيس الوزراء السابق (بنيامين
نيتانياهو)، وقد أجرى مع طاقم من الباحثين عدة أبحاث حول العراق
ومستقبل المنطقة لحساب وزارة الدفاع الأمريكية)، عراد هذا قال:
(إن النظام الجديد في العراق الذي يصفه بأنه سيكون نسخة من نظام
كرازاي في أفغانستان، سيضع سوريا وإيران بين فكي كماشة مرعبين حيث
ستجدان أنفسهما محاصرتين من كل صوب. وقد أدخل الأردن ضمن أضلاع
الحصار، ووصفها بأنها دولة أكثر من صديق.
- في رأي
أركان المؤسسة العسكرية أن أهم آثار الانتصار من وجهة النظر
الإسرائيلية التي عبر عنها (موشيه يعلون) رئيس الأركان تتلخص في
أمرين، الأول: أنه سوف يسرب الشعور بالعجز والهزيمة لدى العرب عامة
والفلسطينيين خاصة، مما يجعل من العام الحالي عام الحسم ضد
الانتفاضة - الأمر الثاني: أورده (شفتاي شفيط) الرئيس الأسبق
للموساد، الذي توقع أن يسود العالم العربي مناخ ثقافي مغاير يعطي
للجناح الداعي إلى التطبيع مع "إسرائيل" قوة دفع جديدة، تمكنهم من
الدعوة إلى مراعاة متغيرات الموقف، والواقعية في التعامل مع
الأوضاع المستجدة.
- يري (داني
جليرمان) رئيس اتحاد الغرف التجارية في "إسرائيل" أن النصر سيجلب
العديد من الفوائد الاقتصادية لـ"إسرائيل"، أهمها ثلاث هي: حصول
"إسرائيل" على النفط العراقي الذي سيكون تحت إشراف أمريكي بأسعار
مخفضة - تراجع المخاطر الأمنية التي تهدد "إسرائيل" مما سيؤدي إلى
تقليص النفقات الأمنية وإنعاش الاقتصاد الإسرائيلي - ثم فتح السوق
العراقية للبضائع الإسرائيلية.
لم أصدق
أذناي حين سمعت من أحد المحللين أن ثمة وحدتين عسكريتين إسرائيليتين
اجتازتا الحدود وتعملان في غرب العراق، وزيادة في التأكد من الخبر
بعثت بسؤال حول مدى دقته إلى مصدر في غزة أثق في إطلاعه ومصادره،
فرد على في اليوم التالي بالمعلومات التالية: الحديث متواتر حول
هذه النقطة في الدوائر الصحفية الإسرائيلية. وقد رفض (عاموس مالكا)
رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق تأكيد الخبر أو نفيه.
من ناحية
أخرى، علمت أن الحاخامين الأكبرين في "إسرائيل" ومجلس حاخامات
المستوطنات، دعوا إلى إقامة الصلوات يوم الأربعاء الماضي من أجل
سلامة جنود التحالف الذين يحاربون في العراق، وأن السفيرين
الأمريكي والبريطاني في تل أبيب اشتركا في تلك الصلوات. حين بلغني
الخبر تساءلت: هل كانت تلك الصلوات لأجل جنود التحالف حقاً، أم
أنها لأجل الجنود الإسرائيليين في العراق ؟!
|