الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

فضيحة إسرائيلية بلسان إسرائيلي ولكن؟

غازي العريضي-  وزير الثقافة اللبناني

صحيفة الاتحاد الإماراتية 1/11/2003

بالإضافة إلى جدار الفصل العنصري الذي لا يزال بناؤه مستمراً حتى الآن، على رغم قرار الأمم المتحدة ومواقف غالبية الدول، فإن حكومة أرييل شارون أكدت سعيها لبناء جدار عنصري آخر سيتوغل داخل الضفة الغربية إلى عمق 9 كيلومترات وبالتالي سيقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية. ومع ذلك يؤكد شارون أن الجدار ليس حدوداً، وليس جداراً سياسياً، إنما هو جدار أمني. لكن الخبراء الإسرائيليين المتابعين لهذا الأمر والذين كرروا كلام شارون، أكدوا في الوقت ذاته أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق وحل نهائيين فقد يصبح هذا الجدار أمراً واقعاً وبالتالي يتكرس كحدود سياسية. وكأنهم بذلك يقولون، ما دام الفلسطينيون لا يريدون الحل- وما يعرض عليهم ليس حلاً بالتأكيد- فإن "إسرائيل" ستتخذ إجراءات من جانب واحد لحماية أمنها وضمان استقرارها ويؤيدها في ذلك موقف الإدارة الأميركية.

وفي موازاة ذلك ترتفع أصوات من داخل إسرائيل لتقول: إذا اعتبرنا أن الجدار أمني فقط فهل ضمن ويضمن أمن الإسرائيليين خصوصاً بعد العملية الفلسطينية الأخيرة التي نفذت وراء الجدار واستهدفت عسكريين وقتلت منهم ثلاثة؟

في الواقع هذا هو جوهر الموضوع. إذا لم يكن حل شامل يكرس حقوق الفلسطينيين ويضمن إقامة دولة لهم ويحفظ كرامة الفلسطيني وسيادته على أرضه، فلن يكون أمن ولن يكون استقرار ولن تنفع كل الجدران في منع العمليات. بل ستزداد وتيرة العمليات وسيعم العنف كل المناطق. والسؤال: هل تريد "إسرائيل" مثل هذا الحل وتسعى إليه؟

الجواب في الممارسات والمواقف.

في الممارسات: شرعت "إسرائيل" في إقامة مستوطنات عشوائية كان يجب إزالتها بموجب خريطة الطريق التي دعمتها أميركا. بما يؤكد أن حكومة شارون كانت من الأساس صادقة مع نفسها ومع الآخرين عندما أكدت أنها لن تزيل المستوطنات، وبالتالي أنها لا تريد خريطة الطريق، وبما يؤكد أن الإدارة الأميركية تدعم هذه الحكومة عن سابق تصور وتصميم أو احترام للأمر الواقع الذي تفرضه على الأرض.

كذلك فإن الجيش الإسرائيلي هدم أبراجاً سكنية في غزة وشرد خمسة آلاف فلسطيني ولم يقل أحد كلمة وكأن سقوط الأبراج الفلسطينية على رؤوس ساكنيها وقتل المئات من الفلسطينيين في اجتياحات متنقلة من منطقة إلى أخرى، أمر حلال ومشروع وأخلاقي وإنساني، فيما استهداف أي موقع أميركي أو إسرائيلي هو مناف للأخلاق وللقيم وللحضارة ويندرج في خانة الإرهاب الذي تحت شعار محاربته لا بد من السيطرة على العالم وتعميم الفوضى فيه بالنتيجة!

ولحماية المستوطنات يدرس حاخامات استخدام خنازير لحراستها بعد فشل كل الوسائل والأساليب المعتمدة حتى اليوم! أما عمليات الاغتيال الفردي والجماعي للفلسطينيين فمستمرة ولن تتوقف على حد تأكيد قادة الجيش الإسرائيلي.

وفي الممارسات أيضاً، تشديد الحصار على الفلسطينيين، تدمير المؤسسات، خصوصاً التربوية والجامعية منها، واستفزاز على الحدود اللبنانية، واعتداء على سوريا، وعرقلة كل محاولات الحوار حتى على المستوى الإنساني السياسي غير الرسمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولو على المستوى النخبوي الأكاديمي، الثقافي أو السياسي، بما يؤكد الرغبة في خلق جدران فصل عنصرية متنوعة بين الشعبين وذلك بهدف إسقاط كل محاولات التواصل وبالتالي محاولات التوصل إلى سلام وحل دائمين!

أما في المواقف وهي كثيرة ، فأختار منها اثنين فقط لدلالاتهما المهمة في هذه المرحلة بالذات وأمام هذه الممارسات المذكورة.

1 - الجراح الإسرائيلي موشيه روزنبلات دعا إلى إبادة الشعب الفلسطيني بكامله. نعم، جراح يفترض أن تكون النزعة الإنسانية عنده هي الأساس، ودوره يكمن في تخفيف آلام الناس ومعاناتهم وإنقاذ أرواحهم يدعو إلى إبادة جماعية. فهل يمكن بناء روح سلام وثقافة سلام على أساس هذه التصريحات؟

ماذا لو قال هذا الكلام سياسي عربي أو مسلم؟ ولا أقول طبيباً! أما كنا أمام حملة تشهير كبيرة وادعاء بأن القائل العربي هو ضد السامية وبأن ثمة حملة ضد اليهود؟

وهل يحق لإسرائيلي أن يدعو إلى إبادة جماعية؟ وهل يحق لحكومة أن تمارس إرهاب الدولة المنظمة وأعمال الإبادة الجماعية، وفي الوقت ذاته ينتقدون مواقف فئات أو مؤسسات أو شخصيات تدين هذه الأعمال، أو مواقف قوى تدعو إلى مواجهتها؟

وفي سياق المواقف يمكن سرد المئات من التصريحات والدعوات المشابهة التي تصدر عن شخصيات ومنظمات إسرائيلية رسمية وغير رسمية، وسرد ردود الفعل عليها العربية والإسلامية، لكنني أتوقف عند الموقف الثاني الذي صدر عن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي موشيه يعالون منذ أيام.

2 - بعد سلسلة مواقف نقدية لمسؤولين عسكريين إسرائيليين قالوا فيها إن الحكومة فقدت صوابها وتوازنها، وبعد مواقف الطيارين الرافضين للمشاركة في قصف التجمعات المدنية الفلسطينية، أطلق رئيس أركان الجيش الإسرائيلي موقفاً لا يمكن لأحد أن يتهم بموجبه بأنه معاد للسامية بل كل ما قاله المسؤولون الإسرائيليون المنزعجون منه: إنه يشكل فضيحة!

قال يعالون: إن سياسة شارون مع الفلسطينيين هدامة!

إذا كان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يقول ذلك، فماذا يترك للفلسطيني وللسوري واللبناني والعربي عموماً؟

ولماذا الانزعاج من الأمم المتحدة وأوروبا عندما تنتقدان الممارسات والمواقف الإسرائيلية التي تدمر السلام؟

إن هذه الإدانة لإسرائيل من رئيس أركان جيشها والتي هي بحق فضيحة سياسية وأمنية وأخلاقية تشكل أساساً للتأكيد أن الحكومة الإسرائيلية لا تريد أمناً وسلاماً بل تسعى إلى مزيد من الإرهاب والقتل والتهجير للفلسطينيين!

وهذا ما يدفع إلى تحميل "إسرائيل" مسؤولية عدم التوصل إلى اتفاق على رغم التنازلات الكثيرة التي قدمها الفلسطينيون، والتنازلات التي قدمها العرب أيضاً، وما يؤكد أيضاً أن استمرار هذه السياسة هو السبب في استمرار المقاومة والانتفاضة. فلو وافقت "إسرائيل" على الحل واحترمت القرارات الدولية وانفتاح الآخرين ورغبتهم في السلام لما كان عنف ومقاومة.

لماذا لا تحترم "إسرائيل" مبادئ الحل والشرعية الدولية وإرادة الآخرين بالسلام؟

لأنها قامت على الإرهاب وقتلت من أبنائها من أراد سلوك طريق السلام. ولأنها تستقوي بأميركا خصوصاً في هذه المرحلة التي تغطي كل ممارساتها. ولأن العرب ضعفاء ولم يدركوا بعد أن سياسة الخطوة خطوة التي بدأها معهم كيسنجر ولا تزال مفاعيلها مستمرة حتى الآن خطأ وخطر كبيران فكلما انتهت "إسرائيل" من عدو عربي ركزت على عدو آخر، لأنهاكهم جميعاً في النهاية وتكريس تفوقها!