غزو استخباري إسرائيلي للعالم
بقلم :خالد أبو كريم
صحيفة
البيان الإماراتية 26/7/2003
مع كثرة
تداول ملف اليورانيوم المفبرك، عادت الأسئلة حول علاقة أجهزة
الاستخبارات بعملية صنع القرار السياسي في مختلف الدول على نسبية
طبيعة أنظمة الحكم فيها. كان لافتاً أن أكثر المحتفلين بمقتل عدي
وقصي صدام حسين هم الإسرائيليون، وحتى بدرجة غبطة فاقت من ذاق بطش
الاثنين من العراقيين أنفسهم.
تفسير حالة
الفرح هذه لدى أجهزة الاستخبارات ذاتها، والتي ترسم لأرييل شارون حتى
مزاجه الشخصي: كلما غاصت أرجل جورج بوش أكثر في المستنقع العراقي
كلما مد يديه أكثر للامساك بعنق "إسرائيل" لانتزاع تقدم سلمي يوازن
فقدانه المزيد من الأوراق في الملف العراقي. بمعنى أن «إنجاز» مقتل
عدي وقصي سيحتل عناوين وسائل الإعلام الأميركي ومن ذا الذي سيلتفت
عندها لرفض شارون إطلاق أسرى حماس والجهاد. هذه العجالة تستجيب لذات
السؤال: من يقود الآخر ..السياسي أم رجل الاستخبارات؟
في التعميم
دائماً شبهة التمويه، ولذا يتوجب إنزال الكلام إلى أرض الوعي اليومي.
يكثر
الإسرائيليون من التباهي بتفوقهم الاستخباري. وهم بحق أسسوا أربعة
أجهزة استخبارية: الشين بيت، الشاباك، الموساد، والاستخبارات
العسكرية «أمان».
ورغم مركزية
دور «أمان» فإن العربي لا يحفظ في ذاكرته سوى الموساد الذي لطالما مد
أياديه القذرة إلى عمق الساحات العربية من مؤامرات واغتيالات وفتن.
وإن كان
مستوعباً تعدد هذه الأجهزة بميزانياتها الضخمة استناداً إلى دولة
بوليسية كإسرائيل فان التسهيلات المقدمة لها في مختلف أصقاع العالم
تثير الحيرة، لكنها تشير أيضاً إلى ما هو أخطر: تحول دولة العبرانيين
إلى موئل المرتزقة في العالم.
لم تكن
التقارير عن استعانة الرئيس النيجيري بالموساد لتأمين مراسم تنصيبه
مستهجنة، فقبله تبرعت أثيوبيا وأنغولا بطلب المساعدة الأمنية من
"إسرائيل" وعقد دورات تدريبية في هذا المجال.
هذا في
أفريقيا، أما في قارتنا آسيا، فتبرز أسماء الهند وسيريلانكا
وسنغافورة في مقدمة المستعينين بخدمات الموساد، ناهيك عما تكشف
مؤخراً عن علاقات أمنية خفية لإسرائيل مع أكبر دولة إسلامية:
أندونيسيا.
في الأسبوع
الماضي طلبت اليونان من "إسرائيل" إرسال وفودها الاستخبارية إلى
أثينا لمساعدتها على وضع الخطط الأمنية الضرورية لحماية الألعاب
الأولمبية التي ستستضيفها. ذلك بعد سابقة استعانة الولايات المتحدة
نفسها بخبرات الموساد خلال أوليمبياد أطلنطا.
الإسرائيليون
يقولون إن سر هذا الشغف العالمي بقدراتهم الاستخبارية يعود لعاملين:
الأول يتعلق بمدى التطور التكنولوجي لأجهزتهم، أما الثاني الأهم،
فيتصل بتميز نوعي لرجال الأمن الإسرائيليين من حيث اختبار نجاعة
الخطط الأمنية على الفلسطينيين لنحو خمسة عقود على خلاف المعرفة
النظرية البحتة لبقية أجهزة الاستخبارات في العالم.
هناك سبب
ثالث لا يذكره الإسرائيليون بالطبع: هيبة وسطوة الولايات المتحدة.
تحدث غير
تقرير مؤخراً عن وصف "إسرائيل" بالساحة الخلفية القذرة لأميركا، حتى
إن بعضها تحدث عن تجارب على أسلحة محظورة في الدولة العبرية لحساب
العم سام. على ذات المنوال تنسج التقارير عما تفعله فرق استخبارية
بأكملها في جنوب أفريقيا وأميركا اللاتينية كهندوراس على سبيل المثال
فضلاً عن نيكاراغوا.
البعض يرجح:
مهمات مشبوهة لحساب ساسة أميركيين يحتاطون لقوة الشفافية الديمقراطية
في بلادهم.
أيا يكن، فإن
العالم يغامر، بل يقامر في لعبة خاسرة حتماً، حين يشرع أبوابه
للموساد ومختلف الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية.
أخطر أسرار
الدول تقبع في الملفات الاستخبارية وفي حال تسليم هذه الملفات
للموساد مثلاً، فإنه يصبح أضخم يد تقبض على عنق النظام في ذلك البلد،
وبالنظر إلى تاريخ "إسرائيل" في حياكة الفتن فإن العالم مرشح
بالتأكيد للمزيد من الاضطرابات والنزاعات إن ارتأت، مثلاً، شركات
السلاح بحاجة لترويج منتجاتها.
هو غزو خفي
لأخطر أسرار العالم، تحت مزاعم التفوق البشري والتقني، فيما افتضحت
هذه الأكذوبة تماماً في فشل الاستخبارات الإسرائيلية في إحباط ولو
النزر اليسير من عمليات المقاومة الفلسطينية، استشهادية كانت أو
مسلحة.