قصة ثلاثين منزلاً!
بقلم: أحمد
عمرابي
صحيفة
البيان الإماراتية 27/12/2003
أربعون دبابة
مدعومة بجرافات تقتحم مخيماً للاجئين لا تزيد مساحته على بضعة
كيلومترات مربعة. ولمدى أربع وعشرين ساعة يظل الجحيم مشتعلاً وسط
العائلات، وعندما يخمد الجحيم نسبياً يسفر المشهد عن تدمير 30 منزلاً
تتحول إلى ركام تمتزج فيه دماء القتلى والجرحى مع الأثاثات المنزلية
المحطمة فيجد المئات أنفسهم بلا مأوى في مناخ شتوي شديد البرودة..
غزير المطر، هذا ما جرى في مخيم رفح جنوب قطاع غزة هذا الأسبوع.
وربما يكون
من قبيل التنطع أن نطالب الحكومات العربية باتخاذ موقف عقابي ما تجاه
"إسرائيل" أو الولايات المتحدة. ولذا فإن مناشدتنا إلى هذه الحكومات
هي أن تلتزم السكوت التام فقط.. فلا تطالب فصائل المقاومة الفلسطينية
بوقف العمليات الاستشهادية داخل "إسرائيل".
لقد درجت
قيادة السلطة الفلسطينية ودول عربية على إسداء النصح إلى قادة
المقاومة بتجنب شن عمليات قد تؤدي إلى مصرع «مدنيين أبرياء» بين
الإسرائيليين. وكأن العائلات في مخيم رفح عسكريون مقاتلون مدججون
بالسلاح على متن دبابات مدعومة بغطاء جوي وليس نساء وأطفالاً
ورجالاً، ليس بحوزة أحدهم حتى مجرد مسدس صدئ.
لماذا إذن
يهب رجال الدولة العرب ويصرخون بصوت واحد منددين عندما يقتل بضعة
إسرائيليين بعملية فدائية يقوم بها استشهادي فلسطيني لا يملك من
السلاح سوى جسده وإرادته ومن ثم يوجه اللوم والنقد المشوبان بالحدة
إلى فصائل المقاومة.. ويسكت هذا الصوت أو يخفت عندما يقع اجتياح
إسرائيلي لمخيم لاجئين بكل الأسلحة الثقيلة ليهلك الحرث والنسل.
منطقة سكنية
بأكملها وسط مخيم رفح سويت بالأرض بعد أن اكتسحتها جرافات إسرائيلية
أو نسفت بمتفجرات، وكانت النتيجة أن 30 أسرة فقدت منازلها بين غمضة
عين وانتباهتها.
وكانت هناك
عمارتان تضم كل واحدة منهما 15 شقة سكنية وتؤوي كل منهما أكثر من 120
شخصاً نسفتا نسفاً كاملاً. وبالطبع فإن السكان لم يفقدوا المأوى فحسب
بل فقدوا أيضاً كل ما يملكون بما في ذلك الملابس وخزاناتها وحاجيات
الأطفال. والآن فان هؤلاء العشرات لجأوا إلى مبنى مدرسة كمأوى مؤقت..
ربما يصير مستديماً.
وكلما توغلت
في تفاصيل المشهد كلما ازددت تعجباً من مدى مراهنة الإسرائيليين على
مدى السلبية العربية.
لقد ضاق قادة
القوات الإسرائيلية الغازية في سياق العملية الاجتياحية ذرعاً بضيق
أزقة المخيم البائس في وجه الدبابات والجرافات الزاحفة فدمروا
بالكامل 20 محلاً تجارياً من أجل تمهيد الطرق أمام الدبابات
والجرافات للمزيد من التوغل في عمق أراضي المخيم.
ثم عمدوا بعد
ذلك إلى تدمير شبكة البنى التحتية للمياه والكهرباء والهواتف
والمجاري.. فاختلطت في الطرق والأزقة مياه الأمطار مع مياه الصرف
الصحي لتحدث أوحالاً بالغة القذارة.
والتفت
العالم صوب واشنطن ليعرف ماذا يقول المسئولون الأميركيون الذين من
المفترض أن يتحدثوا من موقع «الوسيط النزيه المحايد» بين الفلسطينيين
والإسرائيليين ويملأون الدنيا ضجيجاً كلما سقط عدد من المدنيين
الإسرائيليين الأبرياء نتيجة عملية استشهادية.
ونيابة عن
واشنطن تحدث الناطق باسم وزارة الخارجية ريتشارد باوتشر فوصف ما قامت
به الدبابات والجرافات الإسرائيلية في مخيم رفح بأنه «دفاع عن النفس»!
في بدء
الحديث قال باوتشر إن الولايات المتحدة ليس لديها تعليق خاص للإدلاء
به حول الحادثة. لكنه سرعان ما استدرك ليقول: «لطالما أعلنا صراحة أن
لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها».
وغداً سيأتي
المبعوث الأميركي الخاص وليام بيرنز إلى المنطقة ليطالب الفلسطينيين
بالهدوء وليكرر على مسامع قادة السلطة الفلسطينية المطلب الأميركي
الإسرائيلي الثابت بأن على السلطة تفكيك بنى «الإرهاب» الفلسطيني
فتتناغم معه عواصم عربية ريثما تعد القوات الإسرائيلية العدة للقيام
باجتياح آخر على مخيم فلسطيني آخر يتكون بشرياً من مدنيين أبرياء.
|