أسلحة الدمار الشامل "الإسرائيلية".. سياسة الردع
والغموض
بقلم :سيد زهران
صحيفة
البيان الإماراتية 13/9/2003
تواترت
الأنباء بأن الوكالة الدولية للطاقة النووية قررت في نوبة شجاعة
عابرة مناقشة ملف السلاح النووي الإسرائيلي علناً وللمرة الأولى في
اجتماعها المقرر هذا الشهر، ورغم أن القرار مجرد شكل لا يرقى لمستوى
التحرك الجاد والتهديد بإخضاع المنشآت النووية للتفتيش أو شن حملة
إعلامية لإجبار الكيان الصهيوني على الانضمام لمعاهدة الحظر النووي.
إلا أن مجرد الحديث عن أسلحة "إسرائيل" النووية علناً أغضب راعي
الأمن والشرطي الدولي، ومن المؤكد أن الوكالة ستبلع لسانها في فمها
وتكتفي فقط بملاحقة نيات دول أخرى يزعم الشرطي الدولي أنها تسعى
لتطوير قدراتها النووية مثل إيران وكوريا الشمالية، طالما أنهما على
لائحة محور الشر، أما "إسرائيل" فهي ليست كذلك، بل هي واحة
للديمقراطية التي يغتال فيها الفلسطينيون ويقتلون على مدار الساعة
حتى يتحقق اكتمال أمن الواحة بتجريفهم واقتلاعهم من وطنهم أو تحويلهم
إلى أسرى داخل جدران الحصار العسكري الإسرائيلي.
وبعيداً عن
حديث الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي لا يضيف جديداً، فإن
الحديث عن أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية هو حديث مثبت بالوثائق
والأدلة والاعترافات فضلاً عن شواهد أجهزة مخابرات الشرطي الدولي
وتميزه من حلفائه.
فالشاهد أن
"إسرائيل" لا تمتلك فقط سلاحاً نووياً، عبارة عن ترسانة كاملة مكونة
من نحو 200 إلى 300 رأس نووي متنوع، ومفاعل نووي عسكري في ديمونة
بصحراء النقب العربية المحتلة بل تمتلك كل وسائل إطلاق تلك الرؤوس
النووية، من طائرات وقاذفات وصواريخ متوسطة وبعيدة المدى، بما يمكنها
من وضع كل الدول العربية في مرمى تلك الأسلحة النووية.
حيث يطال
صاروخ إيرما 2 ـ دول المغرب العربي غرباً، وجنوب الاتحاد السوفييتي
شرقاً، أي أن "إسرائيل" قادرة على ضرب كل الدول العربية بالسلاح
النووي وحتى "باكستان وإيران". وبالإضافة إلى الأسلحة النووية،
تمتلك "إسرائيل" كميات هائلة من الأسلحة البيولوجية والكيماوية
والجرثومية بما فيها غازات الأعصاب القاتلة.
وتمتلك
"إسرائيل" مختبرات عسكرية لإنتاج غازات الأعصاب وقنابل جرثومية،
وصواريخ مزودة برؤوس كيماوية وقذائف مدفعية في صحراء النقب بالقرب من
مفاعل ديمونة، تم تأسيسها عام 1982، وفقاً لتقرير المركز الدولي
للدراسات الاستراتيجية في لندن.
ومن الأدلة
الإضافية على امتلاك "إسرائيل" أسلحة دمار شامل، ما حدث يوم 4 أكتوبر
عام 1992، عندما تحطمت طائرة شحن لشركة طيران العال الإسرائيلية جنوب
امستردام، وقتلت 43 هولندياً في مجمع سكني، وأظهرت التحقيقات أن
الطائرة كانت تحمل شحنة عبارة عن (50 جالون) من مواد كيماوية محظورة
تستخدم في تصنيع غاز الأعصاب (سارين) وأن الشحنة مشتراة من شركة
أميركية لصالح مركز الأبحاث البيولوجية في تل أبيب.
وهي مجرد
جزء من صفقة مكونة من 480 رطلاً من المواد الكيماوية، وفي البداية
أنكرت "إسرائيل" التقرير، وعادت لتتراجع وتزعم أنها بغرض الاستخدام
في تجارب أقنعة الغاز!!
ومن الأدلة
القوية على امتلاك "إسرائيل" برامج عسكرية لإنتاج أسلحة الدمار
الكيماوية والبيولوجية، وجود منشآت ومختبرات ومصانع عسكرية، فهناك
كما أسلفنا، مجمع للأبحاث والصناعات الكيماوية والبيولوجية قرب
ديمونة، ومركز ومختبر لإنتاج الأسلحة البيولوجية جنوب تل أبيب مخصص
أصلاً لإنتاج غازات الأعصاب، وغاز الانتراكس المسبب للجمرة الخبيثة
القاتلة، وغاز التوكسين لصالح أجهزة المخابرات الإسرائيلية «الموساد»
لاستخدامه في عمليات الاغتيالات السرية مثلما حدث في المحاولة
الفاشلة لاغتيال خالد مشعل في الأردن عام 1997.
ويؤكد أنتوني
كوردسمان الخبير في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية للندن في
بحثه بعنوان «أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط»، أن معهد البحوث
البيولوجية الإسرائيلي يعتبر مجمعاً عسكرياً محاطاً بأقصى درجات
التأمين، ويعمل به 300 خبير، و120 عالماً.
ويضيف بأن
الخبراء الأميركيين يعتقدون أن "إسرائيل" نجحت في إنتاج رؤوس حربية
بيولوجية وكيماوية، وجهزت طائرات إف 16 بهذه الأسلحة الفتاكة.
ولا تقتصر
الترسانة الإسرائيلية على أسلحة الدمار الشامل، وطرق إطلاقها من
طائرات وصواريخ، بل تتعدى قدراتها إلى جانب جمع المعلومات
الاستخباراتية من الفضاء، عبر إطلاق أقمار التجسس التي تساعد في مجال
تحديد الأهداف المطلوب ضربها وتدميرها، ومنع العرب من الاقتراب من
حافة التوازن والردع المعتاد.
ويرجع سعي
امتلاك "إسرائيل" لسلاح الدمار الشامل إلى حقبة الخمسينيات من القرن
الماضي وبعد نكبة ضياع فلسطين بسنوات قليلة، حيث أدرك قادة الكيان
الصهيوني أن المنطقة العربية مقبلة على مرحلة من المد الثوري والقومي
وصعود نظم حكم تتبنى مشروع للمواجهة والنهضة بعد نجاح الزعيم الراحل
جمال عبد الناصر في تثبيت دعائم حكومة ثورة 23 يوليو 1952، وتنويعه
مصادر تسليح الجيش المصري وابتعاده عن الفلك الأميركي.
وتبنت
"إسرائيل" في سعيها لبناء قوة نووية سياسية مزدوجة من الخداع
والغموض، بل والقرصنة والسرقة، سرقة الماء الثقيل واليورانيوم اللازم
لتصنيع الأسلحة والتقنية. فهي من جهة تبنت شعاراً يوفر لها التغطية
ويفرض ستاراً من الغموض على سياستها النووية، وهو عبارة عن تصريح
ملغز "لن تكون أول دولة تدخل السلاح النووي إلى الشرق الأوسط، ولن
تسمح لأحد بامتلاكه قبل إسرائيل"!!
ومن جهة
أخرى، وظفت "إسرائيل" كل علاقاتها مع أوروبا وأميركا والكيانات
العنصرية الشبيهة بها، مثل جنوب أفريقيا قبل سقوط نظام الأبارتهيد في
دفع برنامجها النووي، وبالمثل نجحت في استثمار كل النزاعات العربية
مع الغرب لصالحها، بحيث يمكن القول بأن امتلاك "إسرائيل" للترسانة
النووية جاء محصلة لأكثر من إسهام، بداية من الدور الفرنسي ثم
الأميركي والجنوب إفريقي، وهو ما نجح في توثيقه علمياً الباحث
الأميركي بيتر جراي في أطروحة للدكتوراه عن (قنبلة "إسرائيل"
النووية).
هذا من حيث
امتلاك "إسرائيل" لسلاح نووي، لم تصرح أبداً أنها تمتلكه، بل حرصت
على إسكات كل صوت اقترب من كشفه مثلما فعلت مع مردخاي فانونو الفني
النووي السابق في مفاعل ديمونة، باختطافه بعد نشره تقرير حول
ترسانتها في الصنداي تايمز.
ومن جهة منع
أي طرف عربي من امتلاك سلاح نووي فهو معروف، كما حدث مع العراق
بتدمير مفاعل أوزاريك بضربة جوية ساعد في توفير الدعم المخابراتي لها
عملاء عراقيون وراح ضحيتها أهم عالم نووي عربي من القطر المصري هو
الدكتور يحيى المشد الذي اغتيل في أحد فنادق باريس أيضاً بدعم
استخباراتي من عميل عراقي!!
الخلاصة، أن
"إسرائيل" الآن تحتكر الرادع النووي، بل امتلاك ترسانة أسلحة دمار
شامل وتتمتع بتفوق عسكري شامل على جميع جيرانها العرب، رغم أن قيمة
أسلحة الدمار في حالة الصراع العربي الإسرائيلي مشكوك في فاعليتها
ولا تتعدى التأثير النفسي، ولا تحسم الصراع حالة استخدامها حيث تتحول
النتيجة إلى قتل طرفي الصراع، ويكون الخاسر الأكبر هو من يلجأ
لاستخدام هذا السلاح.
ويطرح هذا
على صانع القرار العربي، التفكير في تصحيح ميزان التوازن العسكري
التقليدي الذي اختل لصالح "إسرائيل" في الحقبتين الأخيرتين، وتبني
أساليب شاملة على صعد التنمية والمواجهة والتحرر من التبعية للآخر،
ساعتها لن يكون لسلاح الدمار الشامل الإسرائيلي أي قيمة في الصراع.