سياسة تركيع العرب من "جابوتنسكي" إلى "شارون"
خالد الحروب
كاتب سياسي -
كامبردج
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 11/6/2003
محاولة
اغتيال عبد العزيز الرنتيسي أحد أبرز قادة حماس لا تترك مجالاً لأي
وهم قد يكون راود البعض من أن الذئب الإسرائيلي الشاروني قد تحول إلى
حمل خلال وأعقاب قمتي شرم الشيخ والعقبة. ويجب ألا تترك أية أوهام
حول هدف تسويق الاستعراض التلفزيوني الجديد خطة الطريق من مصافحات
الأيدي والخطابات المفرغة بدقة من حقوق الفلسطينيين. إن كانت هذه
المحاولة اللئيمة تؤكد على شيء فإنه استمرار جوهر الاستراتيجية
الصهيونية الثابتة منذ أن بدأ المشروع الاستعماري يجد طريقه، وهي
مداومة ضرب العرب والفلسطينيين بلا هوادة حتى يركعوا ويعترفوا عن ضعف
وصغار بعدم جدوى مقاومة هذا المشروع والتصالح معه من موقع أدنى.
جابوتنسكي
صاغ النظرية الأساس في عشرينيات القرن العشرين، والتي صارت تعرف
بنظرية الجدار الحديد. قال إن أهل البلاد الأصليين لن يقبلوا بقيام
دولة يهودية على أرضهم، وإنهم سيقاومون، وإن العرب من حولهم سيرفضون
تلك الدولة ويقاومونها أيضاً. وبالتالي فإن الأسلوب الصحيح والفعال
للتعامل معهم هو بإنشاء دولة يهودية قوية، محصنة ومحمية بـ جدار
حديدي يظل أعداؤها يطرقون أنفسهم به حتى ينهكهم التعب، ويقروا بعدم
إمكانيتهم هزيمة الدولة المزروعة بين ظهرانيهم فيصالحونها بحسب
شروطها.
بعد
جابوتنسكي تلقف بن غوريون النظرية وطبقها بشراسة، ومن بعده تنافس
قادة الدولة الصهيونية في تبنيها والتفنن في تنفيذها. وكان تلاحق
الهزائم العربية الرسمية قد عزز من قناعة حملة هذه النظرية، خاصة
عندما أسفرت في السبعينيات عن زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور
السادات إلى القدس وما تلاها من اتفاقات كامب ديفيد. ثم لاحقاً نعرف
التاريخ الحديث من مدريد فأوسلو فوادي عربة إلى شرم الشيخ والعقبة
قبل أيا.
نجحت نظرية
التركيع في تطويع النظام الرسمي العربي، لكنها فشلت في فعل الشيء
نفسه على صعيد المقاومة والرفض الشعبي الجذري للمشروع الصهيوني. ولم
تكن القيادات الإسرائيلية غافلة عن إدراك مغزى ذلك الفشل، وحاولت
دائماً أن تسير بخط مواز يحاول تركيع المقاومة الشعبية وغير الرسمية.
ويندرج التاريخ الأسود الطويل من اغتيالات القادة والرموز الفلسطينية
والعربية، الناجح منها والفاشل، في سياق سياسة التركيع تلك. والهدف
كان ولا زال توحيد الرسمي والشعبي في خط الرضوخ والاقتناع بعدم جدوى
المقاومة، والتصالح مع وجود "إسرائيل" وهي في موقع اليد الطولى.
محاولة
اغتيال القائد الحماسي عبد العزيز الرنتيسي ليست لها إلا رسالة
واحدة: على الفلسطينيين أن يركعوا جملة وتفصيلاً، سلطة ومقاومة،
ويعلموا أنه لا خيار أمامهم إلا قبول ما تطرحه عليهم "إسرائيل". لكن
هذه الرسالة، بل واستراتيجية الجدار الحديد التي هي أساسها وإطارها،
فشلت في قمع الرفض الشعبي الفلسطيني والعربي لإسرائيل، وفشلت في
إيقاف بل وإضعاف خط المقاومة. موطن ضعف تلك الإستراتيجية يكمن في
افتراضاتها بأن ما يمكن تطبيقه على الأنظمة الرسمية يمكن تطبيقه
بنجاح على المقاومة التي ليس لها علاقة بالنظام الرسمي، ولا تخشى
بالتالي خسارة ما قد يخسره النظام الرسمي. بل إن المثير في تأمل
نتائج تلك الاستراتيجية على الصعيد الشعبي هو أن خط مقاومة ورفض
المشروع الصهيوني يسير في اتجاه صاعد، ومعاكس، لخط القبول الرسمي له.
على المدى
القصير والمتوسط من المؤكد أن محاولة الاغتيال التي فشلت في اغتيال
الرنتيسي قد نجحت في اغتيال المشروع الهش خطة الطريق، وتضع حكومة أبو
مازن في موقف بالغ السوء. وهي تعطي زخماً شعبياً كبيراً لخط حماس
والمقاومة الفلسطينية بعامة من حيث تأكيدها على صدقية ما تقوله من
ضرورة عدم الانخداع بحركة العلاقات العامة والاندفاعة الإعلامية التي
أرادت الولايات المتحدة تشغيلها على صعيد القضية الفلسطينية. محاولة
الاغتيال أبعد بكثير من القول بأنها انتهاك لخريطة الطريق. فهذه
الخريطة لم تنص في الأساس عن إيقاف "إسرائيل" لعمليات الاغتيال،
ولذلك فإن "إسرائيل" والولايات المتحدة يمكنهما ببساطة القول: إن تلك
العملية مشروعة وتحت مسمى الدفاع عن النفس ومحاربة الإرهاب.
"إسرائيل"
تعلم على وجه اليقين أن اغتيال الرنتيسي أو أياً من قادة حماس
السياسيين أو العسكريين لن يفت في عضد المقاومة، كما يشهد الماضي
القريب ومن تاريخ اغتيال يحيى عياش سنة 1996 وحتى اغتيال صلاح شحادة
في العام الماضي. إذا كان الأمر كذلك فما هو الهدف، وما هي النتائج
التي ستترتب على هذه المحاولة؟ لا يمكن تعداد أية مجموعة من الأهداف
المباشرة من دون وضعها في إطار نظرية التركيع، وإلا فإن كل هدف يتم
النظر إليه أو تحليله يبدو هشاً أو غير متناسب مع الأكلاف والثمن
الباهظ المتوقع أن تدفعه "إسرائيل" لقاء هذه المحاولة. لذلك فمن
اللازم الإبقاء على الإطار العام لتلك النظرية خلال محاولة الفهم.
ومن داخله ندرك عدداً من الأهداف العاجلة. من أهم تلك الأهداف،
وأبقاها على الأجندة الإسرائيلية، هو محاولة تخليق حرب أهلية بين
حماس والسلطة. وقد فشلت المحاولات الدائبة على هذا الصعيد من تاريخ
بدء تطبيق أوسلو سنة 1994 وحتى الآن، ويعود الفضل في ذلك بالدرجة
الأولى إلى صبر حماس وانضباطها بشكل مدهش. فقد استطاعت الحركة أن
تحافظ على بوصلة نضالاتها موجهة إلى عدوها الصهيوني، فكلما تعرضت
لضربات متتالية من الأجهزة الأمنية الفلسطينية كان ردها وانتقامها
موجهاً إلى "إسرائيل". وبثباتها على تلك البوصلة كسبت حماس سمعة
وشعبية عريضة خارج أطر الإسلاميين ليس فقط في أوساط الفلسطينيين فحسب
بل وأيضاً في أوساط عربية وغير عربية.
في معظم
حالات التحرر الوطني المشابهة، حيث تتعدد قوى ومنظمات التحرر وتختلف
فيما بينها على النهج الواجب تبنيه للتحرير نشأت صراعات عنيفة
ودامية، وأحياناً حروب أهلية طويلة. والواقع أن نهج مدريد-أوسلو-شرم
الشيخ يتضمن من العناصر المفجرة لحرب أهلية فلسطينية ما يمكن أن يقود
إلى نفق طويل ومظلم. لكن، تاريخياً وسياسياً ووطنياً، تم تفادي
الولوج في ذلك النفق بحكمة تسجل لحركة حماس، حيث دفعت ثمناً باهظاً
لكنها مع ذلك لم تنجر إلى رفع السلاح في وجه السلطة.
شارون يعتقد
أن الحرب الأهلية الفلسطينية هي المخرج من عدة أزمات يواجهها، سواء
داخلياً أو خارجياً، حيث تريحه من تعب العلاقات العامة التي ترهقه
لجهة محاولة خلق صورة جديدة له في العالم. كما أنها الطريق الأقصر
للقضاء على خطة الطريق التي لا يستسيغها لكنه يساير إدارة جورج بوش
بشأنها لأسباب وغايات لها علاقة أيضاً بتحسين الصورة الأميركية في
المنطقة أكثر من أي شيء آخر.
محاولة
الاغتيال هي أيضاً تعزيز للاستراتيجية الإسرائيلية التي تريد أن تحشر
الحقوق الفلسطينية في زاوية الإرهاب، من خلال ضرب العنوان الأساسي في
الوقت الحاضر الذي لا يتحدث إلا بلغة الحقوق الفلسطينية الجوهرية.
فبعد الخطاب المدهش من ناحية تاريخية الذي ألقاه أبو مازن في العقبة،
لجهة تغافله وعدم تأكيده على المسلمات الحقوقية الفلسطينية، صار من
الضروري إسرائيلياً وأميركياً تفتيت تلك الحقوق إن على صعيد مضامينها
أو حامليها والمدافعين عنها.
لكن، مرة
أخرى، فإن الأثر الحقيقي لمحاولة الاغتيال تلك سيكون في تعزيز خط
حماس والمقاومة، وكشف خواء خطة الطريق وما يرافقها من حشد إعلامي.
|