الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

"إسرائيل" نحو توسيع دائرة النار

 

بقلم: عبد الكريم محمد*

صحيفة البيان الإماراتية 13/10/2003

 

منذ اللحظة الأولى لشيوع خبر العدوان الإسرائيلي على سورية بعد ما يقارب 29 عاماً من اتفاقية فض الاشتباك الثانية المعقودة عام 1974، إثر ما أفضت إليه حرب أكتوبر عام 1973، ذهب العديد من المحللين السياسيين في تحليلاتهم إلى شتى التكهنات والأبعاد والأهداف والخلفيات؛ فمنهم ما رأى بأن هذا العدوان يشكل مرحلة جديدة كل الجدة عن المراحل السابقة بحيث تسعى "إسرائيل" هذه الأيام لأخذ دور موازن اتجاه الجبهة السورية للدور الذي اتخذته الولايات المتحدة في العراق، وأن إثبات الجدارة الإسرائيلية يتطلب المباركة الأميركية لكي تعود "إسرائيل" للعب دورها الإقليمي كما كان قبل عقود مضت، أي قبل نهاية الحرب الباردة، سعياً للمساهمة على قدم المساواة لرسم الواقع الجيوسياسي الجديد التي تسعى الولايات المتحدة رسمه بمفردها، بينما ذهب البعض الآخر في تحليله من الواقع الداخلي الإسرائيلي المعاش.

 الذي رأى بأن "إسرائيل" تعيش واقعاً داخلياً مزرياً ينذر بالكثير من المخاطر الداخلية التي قد تعصف بمستقبل هذه التشكيلة السياسية المصطنعة برمتها، استناداً إلى استطلاعات رأس السنة اليهودية التي كشفت عن مخزون هائل من اليأس الكامن في قلب التجمع الاستيطاني برمته داخل أراضي عام 48 وعام 1967، إذ يصف 43% من الإسرائيليين أنفسهم باليائسين؛ وذلك في مقابل 18% فقط من المتفائلين.

 بل لأكثر من ذلك، فقد ألقى التشاؤم ظله القاتم على توقعات العام الجديد، بحيث لن يكون حسب تقدير 80% من المشاركين في الاستطلاعات أفضل من السنة الماضية، فما كان هو ذاته ما سيكون، ويتجلى التشاؤم المثير لليأس في التآكل التدريجي والهام في صورة الزعامة لدى رئيس الحكومة شارون، أبعد من ذلك أن صورة شارون تصدعت في واحد من جدرانه الحديدية حسب الكثير من الآراء الإسرائيلية ذاتها.

 لجهة معالجة الانتفاضة، إذ أن 51% من المشاركين بالاستطلاعات التي أجريت بمناسبة عيد الغفران اليهودي، يقون إن معالجته للإرهاب كانت فاشلة حسب وجهة نظرهم، وأن ميزة شارون صارت عيباً، إضافة لذلك الواقع الاقتصادي المزري الذي أفقد المستوطن اليهودي خمس مدخوله السنوي، وأنه بطبيعة الحال هذا المستوطن عاجز عن إقناع نفسه بأنه يتحمل ذلك من أجل تحقيق هدف بعيد المدى، كما هو حال الفلسطيني الذي يحس بصعوبة ومرارة العيش لكنه ينطلق من ضرورة التحمل الراهن بهدف نيل الاستقلال القادم.

 أما وجهات نظر أخرى فقد رأت من جانبها، بأن "إسرائيل" تحاول اغتنام فرصة الوجود الأميركي في العراق لفرض شروطها واملاءاتها السياسية على المحيط العربي برمته، بما يتضمن ذلك فك العلاقة الفلسطينية - السورية من جهة والسورية - اللبنانية من جهة أخرى، وإحداث حالة قطيعة قسرية في العلاقة السورية - العراقية، ليسهل عليها فيما بعد الاستفراد بكل دولة على حده. أو على أقل تقدير، ليسهل عليها التعامل مع هذه الدول فرادى لجهة حل الملفات الصعبة، بداية من الانسحاب من الأراضي المحتلة على الثلاث جبهات وانتهاء بفرض شروط التوطين وما إلى غير ذلك من القضايا الأمنية التي تسعى "إسرائيل" فرضها على المحيط الجغرافي كهدف من أهدافها الاستراتيجية المعلنة، الواقع أن كل التحليلات والتكهنات بلا استثناء تحمل وجهاً من وجوه حقيقة الاستهدافات الإسرائيلية، فإسرائيل عمدت منذ وقت مبكر أو إذا شئت، منذ ولادتها على الأرض الفلسطينية إلى ترسيخ وجودها كحقيقة سياسية ببعد ثقافي مقبول في المنطقة، وهذا ما اكتشفته أيضاً منذ وقت مبكر بأن لا يمكنها ترسيخ هذه الحقيقة في الذهن العربي، إلا من خلال فرض الأمر الواقع، باعتباره سيصبح حقيقة ليس سياسية وحسب، بل وتاريخية بالاستناد إلى ترهات لاهوتية غيبية باعتبار أن التاريخ صناعة سماوية وليس صناعة أرضية بفعل بشري واع، لكن شرط تحقيق هذه الأهداف يتطلب جملة من العوامل بما يتضمن الآليات، أهمها:

 أولاً: ديمومة التأكيد على شراكتها للولايات المتحدة، بمعزل عن الربح والخسارة التي تواجهها في بعض الأحيان من قبل الشريك الأكبر - الولايات المتحدة - مثل عدم إشراكها في الحرب ضد العراق علانية، ولعل الغطاء الذي اتخذته "إسرائيل" في ضربها لسورية والذي تمثل في محاربة الإرهاب والتبشير من خلال ذلك بإمكانية توجيه ضربات أخرى لهو دليل على التذكير بأهمية ديمومة الشراكة، أي أن تهديدات الناطق باسم رئاسة الحكومة الإسرائيلية رعنان غيسين لم تكن اصطناعاً للمواقف في تهديداته لضرب مواقع الإرهاب في سوريا، حسب وجهة نظره، بل كان يبعث برسالة شديدة السخونة للولايات المتحدة باعتبار "إسرائيل" الشريك رقم واحد في ما يسمى بمحاربة الإرهاب في المنطقة بأسرها.

 ثانياً: محاولة إشاعة الأخطار الأمنية التي تتهدد "إسرائيل" وبقاءها في المنطقة، وإذا ما غابت هذه الأخطار فهي تحاول تعميمها من خلال ابتداع ذرائع وحجج، حتى لو كلفها ذلك القيام بعمليات عسكرية لتبرير هذه الحجج والذرائع، وعلى ما يبدو أن الحجر الفلسطيني لم يعد مقنعاً لدى الكثير من الأوساط الغربية، ولا حزب الله في لبنان كخطر داهم على مستقبلها. مما اضطرها لتوسيع دائرة النار باتجاه سورية هذه المرة، سعياً لحشد المواقف التي غالباً ما تصطف بجانبها دون أية مبررات تذكر، انطلاقاً من أنها تسعى للعيش أكبر مدى زمني ممكن بشكل الثكنة وليس الدولة، باعتبار أن مردود الثكنة أقل من تكلفتها، أما الدولة بكل تأكيد يقع على عاتقها جملة من الاستحقاقات الداخلية والإقليمية والدولية، والتي لسنا بصدد التطرق لها في هذا المقام.

 لكن السؤال الأهم، هل كانت الولايات المتحدة الزوج المخدوع من قبل "إسرائيل"، لحظة اتخاذ الأخيرة قرارها في شن العدوان على سورية؟

 الواقع لا يمكن لإسرائيل اتخاذ مثل هكذا خطوة على غاية من الخطورة دون إعلام الولايات المتحدة، وعلى ما يبدو أن الهاتف الذي تلقاه شارون بعد عملية مطعم مكسيم في شواطئ حيفا، كان حاسماً لجهة تحديد الهدف.

 

 بالإضافة إلى الاتصال الذي أجراه مدير مكتب شارون مع غوندليزا رايس مستشارة الرئيس الأميركي للأمن القومي والذي أقر على ما يبدو تحديد الهدف، وأن الدالة الكبرى على ذلك في إلغاء اجتماع الحكومة الإسرائيلية المصغرة والاستعاضة عنه في اجتماع أمني - عسكري محض حضره رئيس الوزراء شارون ووزير الدفاع ورئيس أركانه والقادة الأمنيون في "إسرائيل". لدرجة وصل الأمر ببعض أعضاء الكنيست العرب للتحذير من هذا الاجتماع وما سيصدر عنه من خطوة جهنمية، فمنهم من أشاع المخاوف حول اغتيال الرئيس عرفات أو الانقضاض على مقره وترحيله، ومنهم من أبقى الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات خاصة المتعلقة منها بتوسيع دائرة النار، وهذا ما تبدى كحقيقة في العدوان على سورية.

 *كاتب فلسطيني