إسرائيل أكبر تهديد للعالم ولأميركا أيضاً
د. محمد السيد سعيد*
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 9/11/2003
ثمة وظيفة
تحريرية في استطلاعات الرأي العام وهي التصريح الجماعي عما قد يظل
حبيساً في عقول الشعوب بصفتها مجموعات من الأفراد. فالناس حتى في
الدول الديمقراطية يخشون التصريح بأشياء كثيرة في عقلهم أو بطنهم.
وقد يوظفون الاستطلاعات لإخراج ما في هذه البطون أو بالأحرى ما هو في
وجدانهم. والاستطلاع الذي أجراه معهد تابع للمفوضية الأوروبية حول
الدولة الأكثر تهديداً للسلام هو واحد من تلك الاستطلاعات التي
انتهزها الأوروبيون فرصة لإخراج ما في بطونهم نحو "إسرائيل" وأيضاً
الولايات المتحدة. إذ قال 59% من الأوروبيين إن "إسرائيل" خطر على
السلام العالمي وهي بذلك تأتي في المرتبة الأولى من الدول التي تشكل
تهديداً للسلام في العالم في رأي الأوروبيين.
أما
الولايات المتحدة فقد حظيت بنسبة 53%. ويعجب المرء لأن الهولنديين من
أكثر الشعوب الأوروبية ثورة على السياسات والتوجهات الإسرائيلية
بينما الانطباع السائد عن هذا البلد أنه الأكثر تأييداً لإسرائيل في
أوروبا.
وقد يكون
التفسير هو أنه كلما تزايدت المعرفة بـ"إسرائيل" تضاعف الغضب على
سياساتها وتوجهاتها وثقافتها وأيديولوجيتها السائدة. وهذا ما يجب أن
نؤكده في الخطاب الثقافي العربي لفضح "إسرائيل" ودورها في تدمير
السلام العالمي. فسردياتنا عن مآسينا المعروفة والمؤلمة التي سببتها
"إسرائيل" قد لا تكفي لإقناع الآخرين بأن هذه الدولة هي أفظع تهديد
للعالم بما فيه اليهود أنفسهم. وسردياتنا صارت ساذجة وغير موثقة وقد
تضر بأكثر مما تنفع مثل الإصرار على قصة اليهود الذين لم يذهبوا إلى
أعمالهم في مركز التجارة العالمي يوم 11 سبتمبر. لقد آن الأوان
لتوثيق ما يقوله الكتاب الإسرائيليون أنفسهم من تجذر الطابع الإجرامي
في الأيديولوجيا الصهيونية ذاتها عبر سرديات موثقة ودراسات مستفيضة
وحافلة بالتفاصيل التي يمكن مراجعة الكثير منها في وثائق رسمية.
أحد الأمثلة
الفذة والتي قد تثبت هذا القول هو الكاتب الإسرائيلي الروسي الأصل:
(إسرائيل شامير). وقد فاجأ هذا الكاتب الاستثنائي مواطنيه وأهل دينه
بنقده الحاد للمجتمع اليهودي في روسيا و"إسرائيل" إلى الحد الذي دعاه
لمراجعة بروتوكولات حكماء صهيون. وهو لا يراجعها من أجل تكذيب ما
احتوته باعتبارها مجرد وثيقة مفبركة كما يفعل الليبراليون واليساريون
حتى من غير اليهود بل باعتبارها تعبيراً بالغ الذكاء عن نقد دقيق
وشائع وصحيح لوضعية ومواقف الأثرياء اليهود وأتباعهم من المفكرين
والساسة في روسيا وأوروبا بكل مناطقها، المؤمنين بأيديولوجية التفوق
اليهودي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وذلك على رغم أنها
بالفعل وثيقة مفبركة. و(إسرائيل شامير) ليس فقط إسرائيلياً بل ومن
أكثر الناس معرفة بالنصوص اليهودية المقدسة وهو مترجم التلمود إلى
اللغة الروسية. وما جاء في دراسته عن البروتوكولات يكشف عن معرفة
عميقة - وموثقة بالأسماء والأحداث- بأوضاع اليهود في روسيا وأوروبا
بل وأيضا عن إلمام تام بالأدب الديني اليهودي.
وربما يكون
(إسرائيل شامير) هو أوضح من عبر عن حقيقة أن "إسرائيل" هي الدولة
الأكثر خطورة على السلام العالمي. وهو يفسر هذه الحقيقة بنظرية مخيفة
عن قيمة سفك الدم في الأيديولوجيا الصهيونية. وهو يقول أيضاً إن
"إسرائيل" هي أكبر تهديد لليهود وأسوأ تهديد للولايات المتحدة ذاتها.
ويكفي أن نقوم بدور في اطلاع الأميركيين على ما يقوله الرجل بالأحداث
والوثائق. وأوضح ما كتبه في هذا الشأن هو نظريته في اغتيال الرئيس
الأميركي جون كينيدي.
يتتبع
(إسرائيل شامير) قصة حياة ومهن وارتباطات رهط من الرجال اتهموا أو
جاء ذكرهم في التحقيقات الأميركية عن اغتيال الرئيس كينيدي ويتوقف
طويلاً عند عصبة من الساسة اليمينيين الأوروبيين والأميركيين الذين
تعاون بعضهم مع النازي وهي عصبة أصدقاء الموت أو موردفريدن باللغة
الهولندية و شخصيات يهودية وغير يهودية معروفة بعدائها المتعصب
للشيوعية والتي أسست علاقات لاحقة مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي
والمجمع الصناعي العسكري ومجتمع الاستخبارات الأميركي. وهي الكتلة
المسؤولة مسؤولية جماعية وعبر تقسيم عمل معقد عن اغتيال جون كينيدي.
ما يهمنا في
الحكاية المعقدة ليست تلك الخيوط الجهنمية التي جمعت عدداً من شذاذ
الآفاق والنصابين والقتلة من جميع الأنواع حول فكرة اغتيال الرئيس
الأميركي الأسبق، وإنما نظرية (ميكل كولين بيبر) والتي يتبناها
(إسرائيل شامير) عن الأسباب التي دفعت الموساد لاغتياله. وتدور هذه
النظرية في الجوهر حول رغبة كينيدي الأكيدة في إخضاع برنامج
"إسرائيل" النووي للرقابة الأميركية وإصراره على إجهاض برنامجها لصنع
أسلحة ذرية. وهو يضيف إلى ما ذكره (ميكل كولين بيبر) في كتابه الحكم
الأخير. وفيه يوثق بيبر بدقة متناهية الصراع الذي تفجر بين كينيدي
وكل من بن جوريون و أشكول حول برنامج "إسرائيل" النووي ورغبته
الأكيدة في منع "إسرائيل" من تطوير أسلحة ذرية وذلك من خلال تدابير
التفتيش.
وقد عبر
الرئيس كينيدي عن رغبته في إخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية
للتفتيش من جانب المؤسسات والعلماء الأميركيين في عدد من الخطابات
لرئيس الوزراء الإسرائيلي بن جوريون. ثم وجه خطاباً مهماً لرئيس
الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول في الخامس من يوليو عام 1963. وكتب
هذا الخطاب بلهجة حازمة وتحذيرية. في هذا الخطاب يقول كينيدي: إنكم
على علم كما أثق بمراسلاتي مع رئيس الوزراء بن جوريون حول الزيارات
الأميركية لمنشأة "إسرائيل" النووية في ديمونا. وقد كتب لي رئيس
الوزراء مؤخراً في 27 مايو. وتعكس كلماته الاهتمام الشديد بالمشكلة
التي أعلم أنها ليست سهلة لحكومتكم أو لحكومتي. ونحن نرحب بالتأكيد
القوي من جانب رئيس الوزراء على أن ديمونا سوف تكرس بصفة قطعية
للأغراض السلمية وتشديده على رغبة "إسرائيل" في السماح بزيارات
دورية.. ولدي الثقة في أنكم توافقون على أن هذه الزيارات يجب أن تتم
في أقرب فرصة بما يتفق مع المعايير الدولية من أجل تبديد كل الشكوك
حول النوايا السلمية لـ ديمونا. وكما كتبت لرئيس الوزراء بن جوريون
أن التزام حكومتنا ودعمها لإسرائيل قد يتأثر بصورة سلبية شديدة إذا
ما وقعت شكوك حول عدم قدرتنا على الحصول على معلومات موثوقة حول
موضوع على هذه الدرجة من الحيوية للسلام مثل مسألة جهود "إسرائيل" في
المجال النووي.. وسوف يكون من الجوهري.. أن يدخل علماؤنا كل المناطق
في موقع ديمونا وأية مناطق ذات صلة من المجمع مثل منشآت تصنيع الوقود
ومعمل فصل البلوتونيوم وأن يمنح وقت كاف لإتمام التفتيش.. ويقول
بيبر: إن هذه كانت أهم وإن لم تكن المسألة الوحيدة التي جعلت
"إسرائيل" تستشيط غضباً من جون كينيدي وتزمع اغتياله. ويفسر (إسرائيل
شامير) غياب أية إشارة إلى دور الموساد في اغتيال كينيدي في فيلم
أوليفر ستون عن هذا الحدث بأن ممول الفيلم: أرنولد ميلكان هو واحد من
شخصيات الموساد وأكبر تاجر سلاح إسرائيلي.
والواقع أن
ثمة سلسلة طويلة من الجرائم التي ارتكبتها أجهزة الاستخبارات والمجمع
الصناعي العسكري في "إسرائيل" إما على انفراد أو بالتعاون مع الأجهزة
والمجمعات والشخصيات المماثلة في الولايات المتحدة بما في ذلك جرائم
ارتكبت بحق اليهود وبالتأكيد بحق أميركا ذاتها. إن قصة إيران جيت
ليست غير أبسط هذه الجرائم. فهناك عشرات من الجرائم الأشد التي
ارتكبتها "إسرائيل" بحق أميركا ذاتها. وقد صارت قصة قيام القاذفات
الإسرائيلية بقصف سفينة التجسس الأميركية ليبرتي معروفة وموثقة
بشهادات من لا زالوا على قيد الحياة من بحارة وجنود هذه السفينة على
شريط فيديو ومواد مكتوبة ومطبوعة. كما أن الجرائم الأقدم مثل فضيحة
لافون وغيرها معروفة وموثقة. ويكفي أن تقوم إحدى دور النشر العربية
بتجميع هذه الجرائم في كتاب أسود لتسويقه في الولايات المتحدة
بالاعتماد على مصادر إسرائيلية وأميركية فقط.
إن جرائم
"إسرائيل" في أميركا مثل فضيحة لافون وغيرها معروفة وموثقة ويكفي أن
تقوم إحدى دور النشر بتجميع هذه الجرائم في كتاب أسود لتسويقه في
الولايات المتحدة بالاعتماد على مصادر إسرائيلية وأميركية فقط.
* نائب مدير مركز الدراسات السياسية
والاستراتيجية - الأهرام
|