|
تراجيديا إهدار الكرامة الإنسانية!
بقلم: محمد صالح
صحيفة الأهرام
29/5/2004
دمار للبشر
والمباني والأرض، قتل ودماء، انتهاك لآدمية الناس، إذلالهم،
اغتصاب شرفهم، تدمير قيمهم الأخلاقية والدينية، سلب كل ما يعتزون
به، ويحرصون عليه، مع تحطيم تراثهم وسرقة ما يستطيعون منه! ذلك
هو ما نراه يومياً على شاشات التليفزيون، وتطالعه الدنيا معنا،
يجري للإنسان على أرض فلسطين، وفي العراق، وهو ما يحدث بإصرار وبكل
تحد لمعايير الحق والعدل!.
لقد كان
الأمل ونحن نودع الألفية الثانية، أن تخلو الألفية الجديدة من
المآسي والفواجع الإنسانية بفضل ما تحقق من رقي حضاري وإنساني، وبما
تتضمنه قوانين حقوق الإنسان والدساتير المعاصرة ولكن ها نحن نجد
أنفسنا شهوداً نتألم ونتعذب لتلك التراجيديا الإسرائيلية الأمريكية
التي تقع أحداثها وبتوالي مآسيها يومياً في فلسطين والعراق، بشكل
يفوق كل ما مارسه الطغاة والمستبدون قديماً.
وإن لفظة
التراجيديا لتخجل مما ألحقته بها الممارسات الإسرائيلية والأمريكية
فقد كان أول إطلاق لتلك اللقطة قد جرى في زمان الإغريق القدامى،
وكانت التراجيديا الإغريقية عبارة عن فن وأدب عظيمين أسعدت بهما
اليونان الدنيا وكانت تلك التراجيديا الإغريقية نابعة أساساً من فكر
فلسفي يبحث في خلق الكون والإنسان وتصور صراعات النفس البشرية وقوي
الخير والشر، ولذلك كانت تلك التراجيديا إبداعاً وفناً جميلاً أمتع
الإنسانية ولا يزال، أما تلك التراجيديا التي دهمتنا في بدايات
الألفية الثالثة فإنها نابعة عن طموحات مجنونة وتصورات كاذبة وطمع
وأوهام ناتجة عن الغرور والشعور بالسيادة والتفوق، وأن ذلك يبيح لهم
فعل أي شئ حتى ولو كان منافياً لكل القيم الإنسانية وللقوانين
والدساتير إلهية وأرضية!؟.
وهل هناك
جنون أكثر من أن تفتعل دولة كبرى أسباباً ملفقة كاذبة لاحتلال بلد
وتدميره واستباحة أعراضه وماله وكل ثروته وكرامة أبنائه لا فرق بين
رجل وامرأة وطفل ومع أن التراجيديا الأمريكية البشعة لم تنطلق ولم
يشعلها إلا الطمع في بترول العراق، وصور لهم الغرور والوهم أن
الورود والزهور ستكون في استقبالهم، وعندما انتفض الرافضون لذل
المستعمر واعتداءاته وممارسات جنوده انطلق جنونهم بلا رحمة؟
أما
التراجيديا التي تفترس الإنسان الفلسطيني وتدمر أرضه وكل وجوده على
أيدي شارون وسياسته وممارساته العنصرية فإنها تفوق بمراحل ما قيل عما
جرى لليهود على أيدي النازي. إن تراجيديا إهلاك الإنسان الفلسطيني
هي في حقيقتها تطهير عرقي تمارسه "إسرائيل" بإصرار متحدية الرأي
العام العالمي مستندة على الدولة الكبرى التي تناصرها وهل هناك تطهير
عرقي أقسى من هذا العقاب الجماعي ضد المدنيين الذين تعتبرهم
إرهابيين، وبينهم نساء وأطفال تدفع بهم إلى ظروف معيشية تقضي عليهم
وتفنيهم.. أليس الجدار العازل الذي تقيمه لتستولي به على كل
الموارد المائية ومقومات الحياة مع عزل أراضيهم الزراعية عن المياه
هي عمليات تهدف إلى الإبادة الجماعية وبذلك تصبح تطهيراً عرقياً؟!.
إن الذي يجري
في العراق وفلسطين جرائم وانتهاكات توقع الممارسين لها تحت طائلة
القانون الدولي لحقوق الإنسان ومطلوب من العالم العربي جمع بعض ما
يجري تصويره لمحطات التليفزيون يومياً لما يقع من جرائم وانتهاكات في
فلسطين، وما جرى من ممارسات لا إنسانية وانتهاكات لكرامة السجناء في
العراق مع تدمير لبنيته الأساسية وتراثه لتكون أفلاماً تسجيلية
تصاحبها تعليقات لمحللين ومفكرين عرب وأجانب لتكون شاهداً على ما جرى
لشعبين عربيين في زمان كنا نتوهم أنه الأكثر حضارة وإنسانية!..
وليت الجامعة
العربية واتحاد الإذاعات العربية يشاركان في تلك الأفلام لتكون دليل
إدانة نأمل في أن تطول يوماً مجرمي تلك الممارسات وقادتها وتدفع بهم
لمحاكمات تدينهم. أيضاً ليت بعض تلك الممارسات البشعة على أرض
فلسطين والعراق تأخذ طريقها إلى أفلام روائية تحكي جوانب من تلك
التراجيديا البشعة التي تدور على الأرض العربية كدليل إدانة دائم على
من أساءوا للإنسانية وانتهكوها.
وبلا شك فإن
لفظة التراجيديا التي كانت تعبر عن فن وأدب راقيين وفكر إنساني
عميق، أصبحت تخجل مما أصابها في زماننا على أيدي شارون وبوش!.
|