الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

توسيع الاستيطان في الجولان فرض وقائع احتلالية جديدة

بقلم: عبد الكريم محمد*

صحيفة البيان الإماراتية 3/1/2004

 

على ما يبدو أن التجربة الفريدة في قيام دولة استيطانية، مثل "إسرائيل"، من خلال مفهوم فرض الأمر الواقع لم ينته منذ أكثر من خمسين عاماً، بل أكثر من ذلك باتت هذه السياسة نهجاً عاماً للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بمعزل عن توصيف وتسمية الحاكم أو الحزب أو التحالف عينه، بل أبعد من ذلك، أن "إسرائيل" بكل مراحل تطورها السياسي - الاستعماري، استمرأت مثل هذه اللعبة من خلال استخدامها سلاحاً حاداً للرد على أية مستجد سياسي لا يصب في مصالحها الاستعمارية، المتمثلة بالتوسع وفرض الهيمنة على المحيط الجغرافي.

 

أي أنها لم تكتف يوماً بقوتها العسكرية المتفوقة في المنطقة والعالم، بل تحاول خلق أسلحة موازية أكثر إيذاءً وخطورة مثل سلاح الاستيطان والمصادرة وتغيير معالم الجغرافية والديموغرفيا. وهنا يبرز السؤال، عن ماهية الأهداف السياسية الكامنة، خلف خطة شارون، توسيع الاستيطان والمستوطنات في الجولان؟

 

قبل الدخول في الإجابات، تجدر الإشارة إلى أن شارون يعيش هذه الأيام نشوة الانتصار بعد أن أصبح العراق مزرعة أميركية - إسرائيلية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، الأمر الذي دفعه هو وغيره من الإسرائيليين أفراداً وأحزاباً إلى ضرورة التفكير باتجاه خلق جغرافيا سياسية جديدة في الجولان بصرف النظر عن الاستعداد العربي بالتقدم خطوة أو أكثر بخصوص التسوية في المنطقة. أما فيما يخص الدوافع الكامنة خلف اتخاذ مثل هذه الخطوة الشارونية المفاجئة، فيمكننا تلخيصها بالنقاط التالية:

 

أولاً: بعد أن نجحت "إسرائيل" وليس شارون وحده في فرض الحقائق الاستيطانية داخل الضفة الغربية والقدس، بحيث أصبحت حقائق سياسية، وجدت "إسرائيل" ضالتها في فرض وقائع احتلالية في الجولان، بصرف النظر عن المواقف العربية من قضية فض الاشتباك والجنوح نحو التسوية السلمية.

 

بمعنى أدق، أن "إسرائيل" ترى في بعض المناطق في الجولان قضية استراتيجية ولا يمكنها، حسب اعتقادها، التخلي عنها، ولهذا السبب كثفت استيطانها في بقعة جغرافية دون غيرها من الأراضي المحتلة في الجولان، بحيث قسمته إلى قسمين الأول مائي؛ والثاني رعوي، أما المائي وهو الملازم للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، فقد اعتبرته هدفاً استيطانياً منذ ما قبل قيام الدولة الإسرائيلية.

 

أي أنه كان ولا يزال أحد أهم أجندتها، التي لا يمكنها التخلي عنه حسب استراتيجيتها، تماماً كما هو الاستيطان حول مدينة القدس وبعض المناطق الموازية لمدينة قلقيلية ونابلس والخليل.

 

وقد يكون من أحد أهم الأسباب التي أفشلت المفاوضات السورية - الإسرائيلية أيام رابين «حمامة السلام» وأيهود باراك اللذين لا يختلفان بالجوهر إزاء الاستيطان في المناطق المحددة في الجولان، عن شارون سوى ببعض الكلمات المنمقة المفعمة بالسلام الهلامي.

 

ثانياً: محاولة استغلال الواقع العربي المتردي بسبب الوجود الأميركي في المنطقة، بهدف نقل التجربة الاستيطانية بعد أن استكملت في الضفة الغربية والقدس إلى منطقة الجولان المائي، سعياً لتغيير الوقائع الجغرافية، كما أسلفنا القول، كمقدمة لتغيير الأسس التي يجب أن يتم السلام فيها مع سوريا، والتي تتلخص بقراري مجلس الأمن الدوليين 242 و338.

 

ولعل الشرط الشاروني الذي طالب سوريا بدء المفاوضات من نقطة الصفر بعد أن وصلت في المراحل السابقة إلى ما يقارب الـ 80% يوضح الدوافع والنوايا المبيتة لدى حكومة شارون وغيره من الحكومات السابقة واللاحقة، والتي تهدف إلى تقويض التفاوض على جزء يسير من القسم المائي والرعوي.

 

ثالثاً: عملت سورية منذ وقت لا يستهان به من أجل ملء الفراغ السياسي من خلال حركتها الدبلوماسية النشطة الملحوظة، خاصة بعد سقوط بغداد، هذه الحركة أحرجت حكومة شارون وضيقت عليها الكثير من مساحة تحركها السياسي على المستوى الدولي، الأمر الذي دفع شارون للانتقال بهجمته الاستيطانية هذه بهدف الحد من النشاط السوري والعربي من جهة.

 

وتضييق هذه المساحة واختزالها بقضية أحقية الاستيطان في الجولان، لتكون مقدمة لتخفيض المطلب السوري ما أمكن من جهة أخرى، خاصة وأننا نعلم أن منطقة بحيرة طبريا تعتبر لب الخلاف والمشكلة التي توقفت عندها المفاوضات السابقة.

 

بالمقابل إذا ما فشلت العملية التسووية على المسار السوري، يحمل هذا الفشل إلى سوريا باعتبارها هي التي وقفت ضد تقدم المفاوضات، أي نقل التجربة الفلسطينية بمرها وحلوها إذا كان فيها شيء من الحلاوة إلى المسار السوري، لتبدأ الدوامة التسويفية من جديد مع سوريا.

 

أي أن هذه الطريقة أو الخطوة، هي بمثابة رد الكرة إلى الملعب العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص، من خلال السياسة الشارونية السافرة المحمية بمظلة أميركية دون منازع.

 

رابعاً: يجب عدم نسيان أن شارون يستغل بخطوته الاستيطانية، حالة الفراغ الأميركي الداخلي المقبل على انتخابات حامية الوطيس، مع علمه المسبق بأن هذه الإدارة لا يمكنها أن تضع حداً لشهيته المفتوحة على الاستيطان والتدمير، إن كان لجهة ما يخص فلسطين أو الجولان، وقد تكون تجربته في الأشهر القليلة الماضية، لا بل والأيام القليلة الماضية، بداية من الجدار والتوسع والاقتحامات والتدمير والفصل من جانب واحد، أكبر دليل على عجزها اتخاذ أية خطوة قد تكفئه أو تردعه عن ما ينوي القيام به.

 

بموازاة ذلك، يكون شارون قد أسس لعملية الفصل من جانب واحد مع الفلسطينيين، وعوض تحالفه اليميني والديني، الأراضي التي خسرها في بعض البقع المتناثرة في تلال وجبال الضفة الغربية.

 

ولعل المثال على ذلك هو العدد المزمع نقله من المستوطنين والذي يقدر بـ 7500 مستوطن وهو الرقم الذي من المفترض ترحيله من تلك المستوطنات المطروحة. وهذا السلوك بطبيعة الحال سيعيد الثقة بين أقطاب التحالف اليميني القومي والديني الذي بدأ يغزوه الشك والريبة وعدم الرضى على خطة الفصل من جانب واحد مع الفلسطينيين.

 

لكن السؤال الأكثر أهمية، هل سيقبل العرب مثل كل مرة فرض الوقائع الاحتلالية؟

 

الواقع، بعيداً عن تقمص المواقف أنه إذا ما بقيت سياسة "إسرائيل"، بصرف النظر عن طبيعة ومسمى الحكم، على نفس الأداء والمنهج فسوف نشهد فصلاً جديداً من الصراع الدامي، رغم الوجود الأميركي في العراق، وهذا الفصل لن يقف عند حدود الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، لأن السلوك الإسرائيلي يحاول الحد من أي تحرك سياسي سلمي في المنطقة بشكل متعمد وواع للأهداف والنتائج، أي أنه يقلل إلى درجة الصفر من خيارات الحلول السياسية.

 

* كاتب فلسطيني