|
وحشية شارون لن تزيد الفلسطينيين إلا غضباً
باتريك سيل
صحيفة الوطن
القطرية 29/5/2004
خلال الشهر
الجاري شنت "إسرائيل" أكبر عملية عسكرية لها في قطاع غزة منذ أن
احتلت القطاع خلال حرب عام 1967. قوات من المشاة المدعومة بالمدرعات
والطائرات المروحية أغلقت منطقة مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين
واجتاحته ودمرت المنازل مستخدمة الجرافات العسكرية العملاقة وتستهدف
المقاتلين والمدنيين الفلسطينيين على حد سواء.
ثلاجات
الموتى امتلأت على آخرها وكذلك المستشفى حيث بقي الكثير من الجرحى
دون إسعاف أو علاج ومن بين الذين روعوا بعض أولئك الذين استطاعوا
الفرار خارج المخيم مع القليل من مقتنياتهم والبعض الآخر اتخذ ملجأ
في الأقبية وفي الأدوار السفلى من البنايات آملين أن تمر العاصفة
بسلام.
مكبرات الصوت
الإسرائيلية كانت تطلب من المقاتلين تسليم أنفسهم وسلاحهم وإلا دمرت
منازلهم فوق رؤوسهم، ووزير الدفاع الإسرائيلي موفاز وصف العملية
بأنها مفتوحة أي بمعنى أنها ستستمر إلى وقت غير معلوم إلى أن تحقق
أهدافها.
وحسبما تشير
الإحصاءات الصادرة عن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا)
دمرت "إسرائيل" في هذا الشهر 191 منزلاً في غزة مما أدى إلى تشريد
2197 فلسطينياً، ويشير تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية إلى أنه
ومنذ بداية انتفاضة الأقصى قبل ثلاث سنوات دمرت "إسرائيل" أكثر من 3
آلاف بيت قاذفة بذلك 18 ألف فلسطيني إلى الشوارع دون مأوى، كما أنها
ألحقت الأضرار بأكثر من 15 ألف منزل إضافة إلى تدمير مئات المصانع
والورش والبيوت الزراعية المحمية والآبار والمضخات وأقنية الري
والبساتين، كذلك اقتلعت "إسرائيل" 226 ألف شجرة وجرفت حوالي 10% من
إجمالي المساحات الزراعية في القطاع، وقد وصفت منظمة العفو الدولية
ما يحدث بأنه جرائم حرب وخرق للقانون الدولي ولميثاق جنيف الرابع.
إن العملية
الإسرائيلية الأخيرة بالحقيقة تأتي كذروة للتدمير الغاشم الذي دفع
بحوالي 60% من سكان قطاع غزة إلى ما تحت خط الفقر مسبباً نسبة بطالة
تفوق 50%.
لماذا كل هذه
الوحشية؟
مما أغاظ
الجيش الإسرائيلي واثار الصدمة لدى الرأي العام في "إسرائيل" مقتل 13
جندياً إسرائيلياً معظمهم تطايرت أشلاؤهم مع عرباتهم المدرعة، السبب
الرئيسي إذن للعملية هو إعادة زرع الخوف في قلوب الفلسطينيين بعد أن
لحق الضرر بصورة الجيش الإسرائيلي وقدرته على الردع، وهذا يعني
استئصال وقتل رجال المقاومة الفلسطينية من خلال القيام بعمليات بحث
مكثفة من منزل إلى منزل.
السبب الثاني
هو توسيع الأرض الحرام الواقعة بين قطاع غزة ومصر فيما يسمى بممر
فيلادلفيا من خلال تدمير مئات المنازل وربما تقوم "إسرائيل" بحفر
خندق أو قناة للمياه لمنع تهريب الأسلحة من مصر.
السبب الثالث
إيقاع العقاب الجماعي على اللاجئين الفلسطينيين العزل وكسر إرادتهم
على المقاومة.
والسبب
الرئيسي لكل هذه العمليات من قتل وتدمير بالطبع هو الوحشية الشخصية
لرئيس وزراء "إسرائيل" شارون الأكثر دموية في تاريخ "إسرائيل"، لقد
أظهر شارون على الدوام عدم اكتراثه بالحياة العربية، فطوال حياته
مارس ما أطلق عليه ناشط السلام الإسرائيلي المخضرم يوري افنيري
بندقية الصهيونية.
قبل ثلاثين
عاماً في الفترة 1971-1972 عندما كان شارون قائداً للجبهة الجنوبية
استخدم نفس هذه الأساليب لقمع حركة المقاومة ونجح في ذلك ولكن مقابل
دفع ثمن غال، قتل أكثر من ألف شخص واعتقل الآلاف في ظروف مريعة كما
دمرت آلاف المنازل وتم تجنيد مئات المخبرين، كذلك طرد آلاف
الفلسطينيين من منازلهم من أجل إقامة مناطق للتدريب على إطلاق النار
للجيش الإسرائيلي كما قسمت المخيمات إلى مناطق معزولة من أجل تسهيل
عمليات البحث والتفتيش، اليوم يعود شارون من جديد وتبدو الأسرة
الدولية عاجزة لا حول لها ولا قوة.
هذا الهجوم
على غزة استنكره الاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة
والمستشار الألماني شرودر والجامعة العربية ولم يؤد ذلك إلى أي
نتيجة. فالاستنكار اللفظي لم يتبعه أي عمل سواء من قبل الغرب أو
العرب، فالفلسطينيون يقاتلون ويعانون وحدهم.
الصوت الذي
له أهمية هو صوت الولايات المتحدة والإدارة الأميركية تقول: إن
لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وهو الحق الذي تنكره على
الفلسطينيين والعرب على حد سواء، ففي العراق وفلسطين يتوجب على العرب
وفقاً لواشنطن من أجل أن يسود السلام في الشرق الأوسط أن يستنكروا
العنف ويتخلوا عن سلاحهم ويستسلموا ويعترفوا بالهيمنة الأميركية
والإسرائيلية عليهم.
وفي الوقت
الذي يستمر فيه القتل والتدمير في غزة أعلن الرئيس الأميركي أمام
جمهور عريض مؤيد لإسرائيل إن "إسرائيل" هي الحليف الرئيسي لأميركا في
الشرق الأوسط في «القتال من أجل الحرية» ونادراً ما بلغ الحقد لدى أي
إدارة أميركية هذا المستوى المريع.
وأبلغ بوش
الحضور من «ايباك» قائلاً «إننا عندما ندافع عن حرية وازدهار وأمن
"إسرائيل" فإننا ندافع عن قضية أميركا».
لقد عقد
شارون صفقة مع بوش، فقد عرض سحب 7500 مستوطن يهودي من قطاع غزة
يستولون على 40% من أجود الأراضي الزراعية في القطاع وسط 1.3 مليون
محروم فلسطيني مقابل قبول حق "إسرائيل" بالاحتفاظ بسيطرتها على
مساحات استيطانية واسعة في الضفة الغربية والاستمرار في بناء الجدار
الأمني، وإذا استكمل هذا الجدار فإنه لن يترك للفلسطينيين سوى 10% من
مساحة فلسطين التاريخية.
هكذا فعل
مناحم بيغن من قبل حيث أعاد سيناء لمصر في 1979 من أجل الاحتفاظ
بالضفة الغربية، وعليه فإن شارون مستعد للانسحاب من غزة مقابل
الاحتفاظ بمعظم أراضي الضفة الغربية، وقد وصف بوش الصفقة بأنها فرصة
تاريخية، وبعد رفض الليكود لخطة الانسحاب من غزة أحادية الجانب التي
قدمها شارون يحاول الآن جعل خطته أكثر قبولاً لدى المتطرفين.
ويحاول شارون
التأكيد على أن الانسحاب من غزة لن يكون على غرار الانسحاب الذي تم
من لبنان في عام 2000 الذي نظر إليه على أنه انتصار تحقق لحزب الله.
على كل حال
فإن الانسحاب من غزة لن يبدأ قبل العام القادم على أقل تقدير، ولكن
الولايات المتحدة دفعت مقابله سلفاً ثمناً غالياً وهو الأرض
الفلسطينية في الضفة الغربية.
لقد خلقت
الوحشية الإسرائيلية في غزة المزيد من الكراهية في العالم العربي
وعززت شعور معاداة السامية في أوروبا وحطمت آمال "إسرائيل" في اندماج
سلمي في الشرق الأوسط في الوقت الذي لم تحقق فيه أي نتائج ملموسة
تدعم بها أمنها.
إن هذا هو ميراث
شارون
وفي الوقت
الذي كان العالم ينتظر فيه من شارون أن يحدد تحركه السياسي التالي
بعد رفض الليكود لخطته الخاصة بالانسحاب أحادى الجانب من مستوطنات
غزة، بدأ الجيش الإسرائيلي خطة التدمير أحادى الجانب في قطاع غزة.
وقد شاهدنا
مناظر مرعبة للموت عندما بدأت دبابة ومروحية بإطلاق النار على مجموعة
من المتظاهرين الفلسطينيين بمن فيهم الأطفال في مخيم رفح للاجئين.
وبالرغم من
الاستنكار العالمي الواسع النطاق تمضي "إسرائيل" قدماً بتنفيذ
سياستها الخاصة بهدم مئات من منازل الفلسطينيين فيما يبدو أنه ممارسة
لسياسة العقاب الجماعي باستخدام القوة المفرطة.
وليس من
المشكوك فيه أن "إسرائيل" تواجه تهديداً من حماس وخلاياها ضمن قطاع
غزة ولكن من الصعب رؤية كيف يمكن لهذا النوع من الهجمات على
الفلسطينيين أن يجلب الأمن لإسرائيل بل على العكس سيؤدي ضمن ما سيؤدي
إليه إلى زيادة أعداد المتطوعين في صفوف حماس.
إن سوء
الحساب السياسي لشارون هو السبب الأساسي حيث يسعى لأن يبدو صعباً
وفظاً حتى لا يظهر أي انسحاب تقوم به "إسرائيل" على أنه علامة ضعف،
وما كان يتوجب على شارون في الأساس أن يحصر التصويت على مجموعة ضيقة
من الناخبين يتألفون في الأساس من غلاة المستوطنين الرافضين لأي نوع
من أنواع الانسحاب.
لو أراد
شارون فعلاً المضي قدماً في الطريق الصحيح وتنفيذ وعوده التي قطعها
على نفسه لكان من الأفضل بالنسبة له أن يدعو لإجراء استفتاء على
المستوى الوطني أو حتى إجراء تصويت برلماني.
وتشير
استطلاعات الرأي باستمرار إلى أن أكثر من ثلثي الإسرائيليين يفضلون
الانسحاب من غزة وهو أمر بدا واضحاً جلياً في مهرجان السلام الذي نظم
في تل أبيب قبل عدة أيام، وحتى وزير دفاع شارون يصف احتلال غزة بأنه
«خطأ تاريخي».
إن سوء
حسابات شارون الأكبر يتمثل في اعتقاده بأن "إسرائيل" وحدها يمكن أن
تقرر شروط الانسحاب والخطوط العريضة لأي تسوية بعيدة المدى مع
الفلسطينيين.
|