الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة


 

واشنطن وتل أبيب كلتاهما تُكرِّس احتلالها عبر الأخرى

 

شارون يجمد التحركات السلمية أمام الجدار العنصري

 

بقلم: رياض أبو ملحم

كاتب لبناني مقيم بباريس

صحيفة البيان الإماراتية 24/12/2003

 

بعيداً عن أية تسميات أو أوصاف «تجميلية»، فقد قرر أرييل شارون أن يضع نفسه والفلسطينيين و«خريطة الطريق» وعملية التسوية السلمية بكاملها.. أمام الجدار: لا أحد يتقدم إلى الأمام خطوة واحدة. لا هو ولا سواه، لا اللجنة الرباعية الدولية، ولا أي طرف آخر قد يدفعه قلقه على مستقبل المنطقة للتقدم بمبادرة من نوع ما، أو بمسعى للخروج من الأزمة.

وعملية «التجمد» أمام الجدار، وإن كانت تجسد حقيقة وواقع المأزق الأمني لحكومة شارون، باعتراف رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية «شاباك» آفي ديختر، الذي أكد فشل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية «بما فيها جهازه» في توفير الأمن للإسرائيليين، فهي تقدم دليلاً آخر على إفلاس الطروحات السياسية لهذه المجموعة الليكودية المتطرفة.

 ذلك أن الخيار الذي يطرحه شارون بتنفيذ إجراء أحادي الجانب يقود إلى الانفصال عن الفلسطينيين «بواسطة الجدار»، ليس أمراً غريباً أو مفاجئاً، بالنسبة للفلسطينيين على الأقل، بل هو نتيجة طبيعية ومنطقية لأمرين متلازمين: فشل الرهان الإسرائيلي الأمني من جهة، وغياب أي طرح سياسي من جهة ثانية، أما بالنسبة لما وصف بـ «تغيير خريطة انتشار المستوطنات في الضفة الغربية». فلا يخرج عن نتيجة هذا المأزق أيضاً، وذلك نظراً لصعوبة استمرار الدفاع عن بعض المستوطنات المعزولة وما تتطلبه عملية حماية بضع عشرات من المستوطنين المعبئين بأيديولوجية التوسع الصهيوني، من قوات عسكرية ونفقات، فضلاً عن الخسائر الناتجة عن الهجمات المستمرة للمقاومة الفلسطينية الشجاعة.

ردود الفعل على خطة رئيس الحكومة الإسرائيلية عكست حقيقة عدم وجود قناعة لدى أي طرف محلي أو إقليمي أو دولي، بأن شارون يملك مشروعاً للتسوية، من أي نوع كان. فمهمة هذا الرجل كانت تنحصر دائماً بتعقيد المشكلة وليس حلها، على أمل أن يتحقق كسر إرادة الفلسطينيين في نهاية المطاف وتحولهم بالتالي من الصمود البطولي إلى الخضوع والاستسلام.

أما بناء الجدار في حد ذاته، فقد تباينت الآراء حوله، وإن كان ثمة إجماع دولي على اعتباره عائقا وحاجزاً أمام تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كما ترى معظم دول العالم. لكن المبعوث الأوروبي السابق في الشرق الأوسط ميغيل موراتينوس ذهب في توصيفه للوضع إلى أبعد من ذلك، حيث أكد أنه «منذ انتخاب أرييل شارون رئيساً للحكومة تسود أجواء المنطقة حال من الحزن والجنون الجماعي»، وهو يقصد بذلك سياسات شارون التدميرية وردود الفعل الفلسطينية عليها، بما في ذلك العمليات الاستشهادية التي يدعو موراتينوس إلى الامتناع عن الإشادة بها وتشجيعها.

ولعل هذا التحليل الواقعي للمسئول الأوروبي، ذي الشخصية المتميزة، يقود إلى استنتاج طبيعي هو أن وضع القضية الفلسطينية ومنطقة الشرق الأوسط والعالم كله أمام جدار الفصل العنصري، سيرفع من مستوى جنون العنف، لا في الأراضي الفلسطينية المحتلة فحسب بل في المنطقة برمتها. فالمتضررون من العدوان الإسرائيلي لن يتركوا شارون يواصل توسعه العدواني وبناء حواجزه العالية فوق أرضهم، من دون أن يتصدوا له بكل ما ملكت أيديهم من وسائل.

 

مواقف إسرائيلية متباينة

ولكن، ماذا عن الداخل الإسرائيلي حيال هذه المواجهة «الجنونية» الجديدة؟

مواقف الإسرائيليين تباينت في شأن خطة شارون. فمنهم من اعتبرها هرباً من الحل. ومنهم من أبدى مخاوفه من أن يؤدي الأمر إلى الوقوع في تناقض مع الولايات المتحدة التي تبدي تمسكها بـ «خريطة الطريق» وترفض الخطوات الأحادية الجانب، بحسب الإعلانات الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض.

وفي حين يدعو وزير الخارجية سلفان شالوم، وهو الأكثر تطرفاً من شارون، إلى عدم إحراج الإدارة الأميركية بطرح مبادرات من هذا النوع، يبدي الجنرال عوزي دايان رئيس اللجنة المسئولة عن بناء الجدار رأياً «توفيقياً» مفاده تقليص مسار الجدار من 750 كيلومتراً إلى 450 كيلومتراً، وهو ما ترضى به إدارة بوش، بحسب تقديره.

وذلك بعدما تحول الجدار في نظر العالم من جدار أمني إلى جدار سياسي، ومع أن رئيس جهاز «شاباك» آفي ديختر يعترف بفشل سياسة الحكومة الأمنية، لكنه يصل إلى نتيجة مؤداها أن بناء الجدار «أمر ضروري»، ربما للتعويض عن الفشل السياسي أيضاً.

وإذا كان شارون يحاول الاختباء خلف الجدار ليخفي فشله السياسي والأمني من جهة، وليكرس أمراً واقعاً جديداً يبتز به الفلسطينيين من جهة أخرى، فإن بنيامين نتانياهو وزير المال ورئيس الحكومة السابق «وهو من المتحمسين جداً لخيار «الجدار العازل» يطرح مسألة أخرى، في خضم المأزق الإسرائيلي المتفاقم، يكشف عبرها عن هواجسه القاتلة.

فنتانياهو لا يكتفي بالسعي لإقفال باب «الخطر الديمغرافي» الآتي من فلسطينيي الضفة الغربية، كما يقول، بل هو يبحث عن وسيلة للخلاص من «الخطر الديمغرافي» الذي يشكله فلسطينيو الداخل، أو ما يسمى عرب 1948 الذين يزيد عددهم عن مليون ومئتي ألف نسمة ويشكلون عشرين في المئة من سكان "إسرائيل".

نتانياهو يعتبر الوجود الفلسطيني داخل "إسرائيل" خطراً على يهودية الدولة وصفائها العنصري، كما أنه يرفض بشدة أي حل يقود إلى دولة ثنائية القومية. ومثل هذه الأفكار والمشاعر العنصرية المرضية لا علاج لها كما يبدو، لا عبر إقامة الجدران العالية، ولا من خلال أي وسيلة أخرى كتلك التي استخدمتها النازية ضد اليهود، على سبيل المثال. فهذه المشاعر المرضية المتطرفة كفيلة بأن تدمر نفسها بنفسها، كما حدث في تجارب تاريخية وكثيرة.

أما رئيس حزب العمل شيمون بيريز فقد اعتبر خطة شارون «مجرد كلام» لا علاقة له بالواقع. وقال «إن من شأن إجراء كهذا أن يشعل الأوضاع أكثر». بينما وصف النائب اليساري يوسي ساريد خطاب شارون بأنه «ليس سوى حفنة من تصريحات ممجوجة من الماضي أضاف إليها مصطلحات جديدة على سبيل التلاعب بالألفاظ».

 

تخبط الإدارة الأميركية

هذا عن الهواجس الإسرائيلية وتعبيراتها المختلفة، فماذا عن هواجس الإدارة الأميركية وحسابات البيت الأبيض؟

موقف إدارة الرئيس جورج بوش بدا مثيراً للسخرية إلى أبعد الحدود، حيث تحول بين ليلة وضحاها من رافض لخطة شارون أحادية الجانب «لأنها تتعارض مع خريطة الطريق» إلى ثناء على الموقف الشاروني «المنسجم جداً مع خريطة الطريق»، ولم يفصل بين تصريحات الرئيس بوش «المعترضة» ثم تصريح الناطق باسم البيت الأبيض «التصحيحي» في اليوم التالي، سوى ساعات معدودة وهو أمر يعكس حجم التخبط الأميركي، بقدر ما أظهر جدار شارون حجم التخبط الإسرائيلي.

 

وفي تقدير المحللين فإن التراجع السريع للبيت الأبيض ناشئ عن أمرين:

- الأول تجنب الدخول في أي تناقض مع الحكومة الإسرائيلية قبيل الانتخابات الرئاسية.

- والثاني، عدم توجيه اهتمام إضافي للموضوع الفلسطيني في الوقت الحاضر، فالاستراتيجية الأميركية الحالية تقوم على أساس مواصلة التركيز على الموضوع العراقي، وعلى إعطاء الوضع الأميركي في العراق مزيداً من قوة الدعم، بمختلف الوسائل المتاحة.

إلى ذلك، فإن المجموعة المتصهينة في إدارة بوش مازالت تعتقد بضرورة تأخير التسوية السلمية في الشرق الأوسط إلى مرحلة لاحقة، ريثما تكون حققت نتائج ملموسة لمصلحتها في العراق تعزز بها نفوذها في المنطقة، وريثما تكون خاضت معركة الرئاسة وحققت الفوز المنشود لمرشحها جورج بوش وإذا جاءت «حسابات الحقل مطابقة لحسابات البيدر» فإن هذه المجموعة تتوجه عندئذ لفرض التسوية التي تريد للصراع العربي - الإسرائيلي، وبالشروط الإسرائيلية الكاملة.

إن تحقيق تسوية سلمية عادلة للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي في الوقت الحاضر، سيعد اعترافاً بصحة وجهة النظر العربية والأوروبية القائلة بأن سبب العنف في الشرق الأوسط هو الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي فإن استمرار هذا الصراع هو مصدر النقمة على الولايات المتحدة وسياساتها وعلى ذلك فإن أي تسوية تتم في هذا المناخ .

إنما تكون لمصلحة الجانب الفلسطيني، كونها لا تستجيب لسياسات التوسع الإسرائيلية بيد أن الموقف العربي الراهن، الضعيف والمتخاذل لا يشكل أي نوع من الضغط على الموقف الأميركي، مهما كانت درجة الإحراج التي تسببها الخطوات الإسرائيلية الأحادية الجانب للإدارة الأميركية التي تبدى تمسكها بـ «خريطة الطريق»، من دون أن يدفعها ذلك إلى مساءلة الحكومة الإسرائيلية عن موقفها الحقيقي من هذه «الخريطة» وموجباتها على الطرفين، وليس على الطرف الفلسطيني وحده.

 

وسيلة لكسب الوقت

وأمام هذا العبث الشاروني المفضوح تصبح «خريطة الطريق» خصوصاً بالنسبة لواشنطن، مجرد وسيلة لكسب الوقت، كغيرها من الوسائل التي استخدمتها الإدارة الأميركية منذ العام 2001، وحتى الآن من دون أن يتغير شيء على الإطلاق فما يصنعه الاستيطان الإسرائيلي من وقائع يومية على الأرض يكذب المزاعم الأميركية المقدمة، مرة على شكل «رؤية»، أو «رؤيا» بحسب انفعالات الرئيس جورج بوش، ومرة أخرى على شكل «دولة فلسطينية قابلة للحياة» في الوقت الذي يسقط جدار شارون أي احتمال كهذا.

لكن الغريب والمثير في المعادلة الحالية، هو أن كلاً من الاحتلال الأميركي للعراق والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، يحاول أن يستمد قوته من الآخر، وإذا كان ذلك يعود، من حيث المبدأ إلى تطابق في أهداف الطرفين والاحتلالين، إلا أنه يعكس، في الوقت نفسه، حقيقة مأزق كل منهما.

والمتمثل خصوصاً في عدم القدرة على حسم الأمور لمصلحته برغم امتلاك الطرفين قدرات عسكرية هائلة لم يترددا في استخدامها ضد الجميع، من دون حسيب أو رقيب ومن غير أي وازع أخلاقي أو إنساني. فثمة مفهوم واحد للاحتلال وإن اختلفت الأماكن، وهويات الضحايا، وتسميات القتلة والشعارات المضللة.